برجاء الانتظار جاري تحويلكم ...

 
مسبار

ما بين «إسرائيلية» وشيخ وسفير!

يحدث لك استرجاع تفاصيل ذكريات أحداث وقصص ومواقف مضى عليها وقت طويل جدا، بمجرد ما تستحث تلك الذكريات أو تحفز بأحداث أو قصص مشابهة لها، أو قريبة من تلك الذكريات بشكل وثيق، أو حتى عابر، وذلك من خلال ممارستك لأنشطتك اليومية أو مشاهدتك لبرنامج تلفزيوني أو فيلم أو فيديو أو صورة، أو أثناء القراءة، أو مقابلة بعض الأفراد في المناسبات العامة والرسمية.

قبل أسبوعين تقريبا وأثناء مشاهدة مراسم استقبال السفير الإماراتي محمد محمود آل خاجة كسفير لدولة الإمارات في إسرائيل، استرجعت موقفا، أو احتكاكا عاطفيا – سياسيا، لربما ينطبق عليه الوصف أعلاه ولو بصفة شمولية من دون تطابق.

ففي عام 1987م التحقت في فترة العطلة الصيفية بدورة لتعلم اللغة الإنجليزية في مدينة إكستر وهي مدينة صغيرة، تقع جنوب غرب إنجلترا، في مقاطعة ديفون، وكان الصف الدراسي في المعهد الذي ألحقت به، ضم طلبة من كل دول الخليج تقريبا، إضافة إلى طلبة وطالبات من الدول الأوربية وطالبة إسرائيلية مملوحة، متوسطة الجمال، بملامح شرق أوسطية ذات عيون وشعر أسود.

كالعادة، لم يمر الوقت طويلا حتى تم التعارف بيننا بسرعة كطلبة خليجيين، سواء الدارسين في نفس الصف بالذات أم الصفوف الأخرى وبدأنا التصرف والحركة سويا وكأننا أولاد البطة السوداء، نتناول الإفطار معا ونمشط ممرات وردهات المدرسة الضيقة كالعسس مع بعض، ليس بهدف تحسين مستوى التحدث باللغة الإنجليزية أو بناء علاقات مدرسية عابرة للمساعدة في حل الواجبات مثلا، وإنما لنتمكن عن بعد من القيام بمعاينة شاملة وتسجيل دقيق لأوصاف وأشكال الطالبات، لإبهار بعضنا البعض بما يمتلكه كل منا من مهارات لغوية أنثوية يصف بها بدقة طالبات المدرسة، وكأن الواحد، على غفلة، تحول في مدرسة مدينة إكستر إلى امرئ القيس أو نزار قباني، أو ابن زيدون في نظم شعر الغزل والإقدام، وهو في الواقع لم يجرؤ بعد على التحدث مع أي من تلك الطالبات.

وعندما نجتمع لتناول الغداء أو العشاء في عطلة نهاية الأسبوع في المطعم الهندي البسيط القريب من المدرسة، تزداد وتتشعب رقعة الأحاديث والتعليقات المبالغ فيها عن الطالبات وكأن صاحب المطعم اشترك معنا في تبهير ونفخ تلك المغامرات الكلامية البعيدة عن الواقع، بمعنى بقينا ندور في محيطنا وكأننا لم نغادر أوطاننا، لربما تربيتنا المحافظة جدا في ذلك الوقت انعكست على تصرفاتنا وسلوكنا وذلك عند الانخراط في مدرسة مختلطة لم نتعود عليها، إلى جانب المهارة المحدودة جدا بالتحدث باللغة الإنجليزية في ذلك الوقت.

عموما، مرت فترة الدراسة التي امتدت لفترة ثلاثة أشهر تقريبا باستمتاع بالغ وكل يوم وأسبوع أفضل وأجمل من سابقه، سواء من جهة الاستقرار النفسي وتعلم وإجادة اللغة أو اكتساب مهارات حياتية لازمة ساعدتنا في بناء شخصية الفرد منا، للتوازن ما بين الاحتفاظ بهويته وفي نفس الوقت تقبل الآخر وثقافته وعاداته، كما تعملنا أثناء أداء الواجبات الجماعية في الصف أو الأنشطة اللاصفية في فناء المدرسة وخارجها.

في آخر أسبوعين قبل نهاية ذلك الصف الصيفي، دار الحديث ما بيننا عن الوداع وتمنيات العودة بالسلامة إلى الأوطان، في تلك الأجواء الوداعية، شرعت تلك الطالبة الإسرائيلية، الهادئة، التي كانت بالكاد تتحدث، بتمرير سجل الذكريات «الأوتوقراف» الخاص بها على طلبة وطالبات الصف، حيث قام كل من وصله السجل بتدوين اسمه وبلده وكلمات الشكر والامتنان للمزاملة الدراسية، والتمني بالتوفيق مستقبلا للجميع.

عندما وصل «الأوتوقراف» لشيخ قطري كان ضمن طلبة صفنا، تعذر لها باستحياء جم وبأسلوب مؤدب جدا كعادته مع الجميع، مبررا عدم تمكنه من التوقيع بسبب أنه على عجلة من أمره ولزوم مغادرة المدرسة مبكرا لقضاء مهمة شخصية، في ذلك الوقت ما كان لدينا الوعي السياسي الكامل للقضية الفلسطينية، ولكن نعرف أن فلسطين محتلة من قبل إسرائيل، اقترب مني وشكله وتصرفاته تغلب عليها علامات الإحراج والأسف لرفضه طلبها، خاصة أنه كان أثنى على ما تتمتع به من هدوء في مرات عدة، ما دفعني ممازحته مستقصيا «الحين بس الهدوء اللي عجبك فيها!» عموما، وصلنا إلى حل وسط مفاده بأنه يمكن كتابة عبارات مجاملة عامة ولا يوقع باسمه وإنما بالأحرف الأولى منه وتكون ناقصة، وهذا ما حدث عندما توجهت إليه مباشرة عند بداية الأسبوع تسعى للتوقيع وحصلت عليه.

فهل يا ترى توقيع معاهدات السلام مع الدول العربية الأخرى سيكون باستحياء بالأسلوب الذي وصفناه أعلاه، أو سيكون واضحا ومباشرا كالاتفاق الإبراهيمي للسلام وما اشتمله من علاقات تجارية ودبلوماسية وبحثية معلنة؟ فعلى سبيل المثال تعد إسرائيل من الدول الرائدة في مجال حلول الري المبتكرة والزراعة وتكنولوجيا تحلية وإعادة تدوير المياه والابتكارات في مجال الزراعة، خاصة في مجال الأراضي الصحراوية، إلى جانب قطاعات بحثية تقنية ورقمية وفضائية أخرى.

فهل يتغلب صوت الحاجة الماسة لتلك المبتكرات والاختراعات الإسرائيلية، وخاصة في مجال الماء والغذاء على صوت عدالة القضية الفلسطينية وعدم عدالة الحكومة الإسرائيلية بحق الشعب الفلسطيني؟ لا أعرف الإجابة بدقة عن هذا السؤال، ولكن الذي أشعر به وتتناقله وسائل الإعلام والتواصل الاجتماعي أن إسرائيل بعد توقيعها معاهدات صلح وسلام مع مصر والأردن والإمارات والبحرين، ولها ممثليات تجارية في بعض الدول الخليجية والعربية، كانت ردود الفعل الشعبية تجاهها فاترة جدا، وهذا متوقع لأننا عاطفيون حتى النخاع.

ولكن على صعيد الاستفادة من البحوث والتطوير، لربما من الصعوبة عاطفتنا تسعفنا بالاستغناء عن تلك المبتكرات والمخترعات الرائدة سواء تم جلبها مباشرة من إسرائيل أم من خلال وكلائها في الدول الأخرى، ولنا مثال كيف تعاونت الحكومات على مستوى العالم لتطوير وتوزيع لقاح «كوفيد 19» التي من بينها إسرائيل.

وعلى المدى الطويل والقصير، أعتقد أنه ستكون هناك غصات تمنع ورفض مبطنة وظاهرة تجاه مكونات الهوية الإسرائيلية أو اليهودية، عندما تتواجد في المحيط الخليجي والعربي عموما، مجاورة مطعم كوشر إسرائيلي لمطعم للأرز البخاري أو المندي أو «الباجة» في شارع المعارض بالمنامة، لربما ينظر له بالاستغراب، ولكن السؤال الاستراتيجي الذي يتجاوز العواطف، هو: لو أخذنا في الاعتبار التغييرات المناخية وتناقص مستويات المياه الصالحة للشرب والزراعة ونزاعات المياه كما نراه حاليا، ما بين أثيوبيا ومصر والسودان، واستعصى مستقبلا زراعة ذلك الأرز بصورة اقتصادية مربحة ومستدامة إلا باستخدام تقنية إسرائيلية، فهل المعدة الجائعة ستدقق بصدق وحرارة صوب مصدر تقنية زراعة الأرز؟ هل ستحضر أدبيات العروبة في ذلك الوقت أم أدبيات سد الجوع وزيادة شطة «دقوس» يا محمد؟

وختاما، ليس لدينا طريق وحيد للنهوض والنماء إلا بالتركيز أكثر على قطاعات التعليم، والبحث والتطوير والاستثمار السخي فيها وفي مواردنا البشرية الشابة التي تديرها، وهو ما فعلته إسرائيل وهي في حالة حرب معنا، فما بالك وهي توقع معاهدات سلام متتالية.

وليد الهلال

وليد يوسف الهلال ، مستشار علاقات عامة ، وعمل سابقا مديرا لقسم النشر ورئيس تحرير جريدة القافلة الأسبوعية، وأسس أقسام العلاقات والشؤون العامة في شركات أرامكو في آسيا. خريج جامعة الملك فيصل السعودية، كاتب رأي

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق