برجاء الانتظار جاري تحويلكم ...

 
خلجات

«هذاء الإرجاء»

«هذاء الإرجاء» مصلح نفسي أطلقه عالم النفس النمساوي فكتور فرانكل في كتابه «الإنسان يبحث عن المعنى» يصف حال المحكوم عليه بالإعدام في لحظاته الأخيرة، حيث ينتقل فيها مع اقتراب لحظة النهاية من حالة الخوف والتوتر إلى مرحلة يتجاوز فيها كل المشاعر المتوقعة، إلى حالة من الطمأنينة والاسترخاء، فيغمره اعتقاد راسخ بحدوث تغيير غير متوقع ينجيه من الإعدام، كأن يصدر عفو أو يموت الجميع عداه، أو تسقط صخرة من السماء على كتيبة الإعدام، لا فرق، المهم أنه على يقين أنه سينجو، ففكرة النجاة بمعجزة أقرب إليه من التسليم.

شكل آخر من التنفيس يحدث للإنسان عندما يتعرض للإيذاء مثلا، وتفشل كل محاولاته الدفاعية، ويصل إلى قمة التوتر، تبدأ في التسلل إليه أحلام درامية تخفف من توتره، فيتصور نفسه بقوى خارقة تجعله يطيح بجلاديه، وينتقم منهم كما يجب، حتى يصل لمرحلة من الرضا والاسترخاء تساعده على عيش يوم آخر.

وعندما يقع الإنسان في سلسلة من الخسائر المالية، وتنهار كل محاولاته لتحقيق أحلامه، ويغرق في الديون، ويصل إلى مرحلة اللا حل، تبدأ بمداعبته أحلام الثروة التي تسقط عليه من السماء، ويبدأ في توزيع الثروة السماوية على الأصدقاء والأحباب، ويبني قصورا من خيال، حتى يسترخي ويرسم ابتسامة النصر وينام.

الإنسان في حالة سعي دائم لردم الفجوة بين من يكون الآن، ومن يريد أن يكون، بينه وبين غايته، بينه وبين معنى الحياة، وكلما كان لديه أمل وإيمان بقدرته على تجاوز هذه الفجوة كان توتره وقودا لقفزات واقعية عظمى، أما حين تكون الفجوة أكبر من قدراته فإنه يلجأ لملئها بالخيال.

إن الاعتقادات والأحلام التي تعطي مهدئات وقتية لا تحضر إلا في النهاية، وعند استنفاد كل الحلول العملية، كشكل من أشكال التشبث بالحياة، والتمسك بحقنا في أن نعيشها كما يجب، وجوبا نحن وحدنا من يقرر شكله ومداه.

إن هذا التغيير الاستثنائي الذي سيحدث لأجلنا نحن فقط، متجاوزا قوانين الكون، وتشريعات الإنسان، هو جزء من تصور محورية وجودنا في الحياة، هذا التصور الذي يُحدث قصورا في قدرتنا على الاستيعاب الموضوعي لكل ما يحيط بنا من أشخاص وأحداث وقوانين، هو مخدر من نوع مختلف يقدمه العقل طواعية ليعطي لحظات سكينة للنفس المتشظية اليائسة، قطرات أمل تعطي فسحة من خيال لواقع افتراضي بهيج.

علي حجي

علي محمد حسن حجي، حاصل على ماجستير في علم النفس من جامعة الأمام محمد بن سعود، كاتب مقال في عدة صحف سعودية سابقا.

‫8 تعليقات

  1. ما أصعبها من لحظات
    أتصورها لحظات بعمر ، كل ثانية فيها عن قرن
    كيف الواحد يرى الثواني الباقية من عمره تمر أمامه
    ياربيييييي

  2. شكراً استاذي الفاضل على ما قدمته في هذا المقال
    جعلتنا نتحسس شعور الشخص الذي تنتابه مواجع
    في وقت صعيب وموقف رهيب حيث جست لنا من خلال
    اختيار الالفاظ والتراكيب الشيقة لتي جعلتنا نعيش هذا
    الموقف

  3. مقال رائع جدًا أستاذ علي وممتع للغاية لقد أجدت في اختيار موضوع المقال سلمت أناملك وأنار الله عقلك 👍🏻🌹

  4. كلنا نحلم ، فهل أحلامنا هذاءات ؟
    لم توفق في المصطلح أخي

  5. السلام عليكم ورحمة الله وبركاته
    مقال ومعلومات لطيفة وخفيفة وعملية
    ألأفضل تلغون الموسيقى

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق