برجاء الانتظار جاري تحويلكم ...

 

كم رصيدك؟

جلس الشاب في مقعده بالطائرة التي تُقلّه إلى العاصمة لإجراء مقابلة شخصية للعمل المتقدم إليه، تحدوه الأحلام السعيدة ويجنح به الخيال، مرتقبا وظيفته الجيدة، حلقت الطائرة واستوت في الجو، واستسلم الشاب لأفكاره ولحديث نفسه التي قطعها عليه سقوط الطفل الذي يشغل المقعد الذي بجانبه في أحضانه.

ارتبك والد الطفل وقدم اعتذاره للشاب ونهر الطفل كثير الحركة، ولكن الشاب ابتسم وهوّن الموقف على والد الطفل وطلب منه أن يترك الطفل يمارس طفولته، وبعد أن أحضرت المضيفة العصائر للركاب، أخذ الطفل عصير الفراولة وبدأ يشربه وهو واقف على مقعده يتأرجح ويلعب، فسقط كوب العصير على ثياب الشاب البيضاء ولطّخها باللون الأحمر، وهمّ والد الطفل بتأديبه، ولكن الشاب أقسم عليه بألا يفعل، وهوّن عليه الأمر ممازحا الطفل ووالده الذي يتصبَّبُ عرقا خجلا من تصرفات ابنه الذي يعاني من فرط الحركة.

عاد الشاب من دورة المياه وقد بللّ ثوبه بالماء، ولكن اللون الأحمر رفض مغادرة ثوبه الأبيض بسهولة، وفي أرض المطار بعد الوصول هرع الشاب إلى سيارات الأجرة فموعد المقابلة قد أزف ولا وقت لديه لشراء ثوب جديد -وهو الذي لم يعمل حسابا لموقف كهذا- وصل الشاب إلى موعد المقابلة بثوبه المتسخ، وقد قرّر أن يشرح لهم الموقف، وكانت المفاجأة أمامه، حيث وجد والد الطفل الذي أزعجه في الطائرة هو رئيس فريق المقابلة، وهو مدير الشركة، شلّت المفاجأة لسانه، ولكن المدير تبسّم له وقال: شاب بمثل أخلاقك وسعة صدرك ولباقتك جدير بمثل هذه الوظيفة.

شاب آخر وجد في طريق سفره سيارة متعطلة، ووقف بجانبها مقدما خدماته للمساعدة، فأخبره صاحب السيارة أن الإطارات «مبنشرة» فأخذها الشاب فورا، وترك صاحب السيارة عند سيارته وذهب لأقرب محطة حيث أخبره صاحب السيارة أنها تبعد حوالي 150 كم، وفعلا قطع مسافة 300 كم ذهابا وعودة بعد أن أصلح الإطارات وساعد الرجل في التركيب، وقد انصرف إلى حال سبيله عائدا أدراجه إلى سفره الطويل، وسط تعجّب صاحب السيارة من أخلاق وشهامة هذا الشاب الذي تأخر عن سفره الطويل لمساعدة رجل لا يعرفه، ولكم أن تتخيلوا كيف ردّ له صاحب السيارة الجميل حينما قابله في موقف يستدعي المساعدة بعد عامين غياب.

مثل هذه القصص كثيرة جدا، وهي تعكس معادن الرجال وكرم النفوس، وهذا هو الرصيد الحقيقي للإنسان الذي يتجاوز رصيد البنوك، فكلما ضاقت بك الحال اسأل نفسك هل يسمح رصيدي، وتذكر قول الحُطيئة:

من يفعل الخير لا يعدم جَوازِيَه  ***  لا يذهب العُرْفُ بين الله والناس.

منيف الضوي

منيف خضير الضوي، ماجستير إدارة تربوية، حصل على جائزة التعليم للتميز، عضو في عدد من المؤسسات منها أكاديمية الحوار الوطني، جمعية جستن التربوية، اتحاد المدربين العرب. له «5» إصدارات، وكتب الرأي في عدد من الصحف كما مارس التحرير الصحفي في صحيفة الجزيرة السعودية، وعمل مراسلاً في إذاعة الرياض، كما يمتلك خبرات واسعة في مجال الإعداد والتعليق الصوتي.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق