برجاء الانتظار جاري تحويلكم ...

 
Ticket

الرومانسية بين التصوير والواقع

أصبح من المعتاد أو المستهلك أن تشاهد في يوميات من تتابعهم، صورا ومقاطع متشابهة لزوجة تمسك بيد زوجها أثناء ركوبهما السيارة معا، وقد وضعت ما وضعت من مساحيق التبييض وتلوين الأظافر والإكسسوارات الباهظة، لتخبرنا لاحقا بأن الصورة كانت «عفوية»!

أو تشاهد مقطعا لزوج يحتفي بنجاح زوجته بباقة ورد، يستقبلها بها لدى باب المنزل أو السيارة، على إنجاز لا يذكر، وقد غطت تلك الباقة وجهه لكبر حجمها، أو مقطعا لمجيء الزوجة من خارج المنزل بعد غيابها، لتتفاجأ بحفلة من المفاجآت في انتظارها، فقد فرش لها الطرقات بأوراق الورود الطبيعية ولوّن لها البالونات بعبارات العشق اللامنتهي، وقد قادها طريق الورود ذلك إلى هدية مفاجئة لم تكن تتخيلها ليرضيها!

هذا خلاف حفلات المطاعم والمقاهي المنسقة مسبقا، وهدايا أطقم الألماس وحقائب وساعات الماركة العالمية، وصناديق المفاجآت الخفية، وعبارات الحب المنثورة في كل اتجاه، التي تصورها الزوجة بين الحين والآخر، لذلك الزوج الذي لا يفتأ من التعامل معها برومانسية المدن الفاضلة وقصص الخيال.

ومن أتحدث عنهم هنا ليسوا مشاهير أو شخصيات تحاول تلميع حياتها الاجتماعية، لتبدو بصورة مثالية أمام الجميع، ولكنهم أناس عاديون جدا يعيشون بيننا وفي مجتمعنا، ولا يتابعهم سوى أقاربهم وثلة من أصدقائهم.

فهل ما نشاهده من «هياط رومانسي» يقومون به حقيقي، أم أنه مجرد مشاهد عابرة يقصد من خلفها إغاظة أشخاص بعينهم، أو بهدف التظاهر بالسعادة وهي ليست موجودة؟

برأيي أن 80 في المئة مما يحصل هي سيناريوهات محبوكة من الزوجات دون علم الأزواج، إلا عند التصوير، فجميعنا نعلم يقينا أن المرأة بطبيعتها تميل إلى العيش في العالم الذي نسجته في خيالها قبل الزواج، وما زالت تشاهده في المسلسلات الرومانسية وأفلام العشق، وهذه السيناريوهات الرومانسية التي لا تنتهي ليست من صنع رجل شرقي اعتاد التعبير عن مشاعره بالاهتمام الاعتيادي والنفقة والقيام بالواجبات المعتادة، ولو حدث فلن يكون بهذه الصورة المبالغ بها من التفاصيل المتقنة.

ولعلكم تساءلتم: لماذا تضطر المرأة لافتعال الرومانسية التي لا تعيشها؟

في الواقع، إن عاطفة الرجل تختلف كليا عن عاطفة المرأة وتعبير الرجل عن الحب ليس كتعبير المرأة، فهي تعتني بالتفاصيل وتشدها اللفتات الحانية التي تشعرها بوجودها في قلبه، أما هو فيعبر عن حبه من خلال قيامه بواجباته الزوجية كما ينبغي والعطف عليها والاهتمام الضمني وليس الشكلي بها، ولا تعنيه تلك التفاصيل التي تشدها.

ولذلك تضطر بعض النساء لافتعال الرومانسية التي لا تعيشها وقد يصل الأمر إلى شراء الهدايا لنفسها وتصويرها وكأنها من زوجها، لتعيش الحب الذي طالما نسجته في خيالها، ولم تجده واقعا ملموسا.

وهذه السيناريوهات مع الأسف قد تسببت في كثير من الضرر لأصحابها ولغيرهم، فمنهم من تعرض لتبعات الحسد والعين والحقد، ومنهم من طال تأثيرها لمن يشاهدهم فأنشب الخلافات بين الأزواج حول «لماذا زوجها يفعل وأنت لا؟» ما يؤدي إلى فجوات واسعة في العلاقات الزوجية وخلافات لا تنتهي.

فمن الملاحظ، كم كانت العلاقات الزوجية أكثر تماسكا ونجاحا قبل ظهور وسائل التواصل الاجتماعي وموضة التصوير وانعدام الخصوصية، ولكن تبقى هذه الموضة خيارا وليست إجبارا، والعاقل من يعرف كيف لا ينجرف نحوها، جالبا الضرر لحياته ومن حوله، فالحفاظ على الخصوصية وعيش الحياة الشخصية دون أن يطلع عليها الآخرون من المتطلبات الإنسانية، ما لم يفرط الفرد نفسه بخصوصياته وأسرار حياته، كمن يفتح باب منزله ونوافذه ليشاهد الجميع كيف تسير الحياة داخل هذا المنزل.

تغريد العلكمي

تغريد محمد العلكمي، كاتبة وصحفية وقاصة، بكالوريوس صحافة وإعلام - كلية الآداب والعلوم الإنسانية - جامعة جازان، عملت في صحيفة الوطن لمدة 8 سنوات، ومارست الكتابة الصحفية في عدد من الصحف، صدرت لها مجموعة قصصية بعنوان «شتاء آخر» عن نادي أبها الأدبي.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق