برجاء الانتظار جاري تحويلكم ...

 
رجع الأفياء

مراثي العناوين القديمة

في نبش ممتع، قمت به منذ أيام، عدت بوجهي ثانية نحو عناوين قديمة، عناوين سادت ثم بادت، وبادت معها مشاهد كثيرة، كانت حياة حافلة بأمنياتنا وأحلامنا وحظوظنا الحسنة والسيئة معا، عناوين بريدية كانت مثل: فنار لا يغمض له جفن مهما تراكب الظلام.

أول عنوان عرفته في الطائف هو دكان العم ربيع الخياط، كنت أرى رسائل تصل إليه من الرياض ومكة المكرمة والظهران ومن عمَان وبيروت، وكنت أيامها على مشارف العاشرة، فلما حاكيت الناس في مراسلاتهم، كنت أكتب «دكان العم ربيع الخياط» رغم أن ربيع الخيّاط هو أبي، ولكنها سلطة المصطلح.

كان عنواني بعدئذ على المكتبة السعودية بشارع حسان بن ثابت، تصلني عليه «هنا لندن» مجلة الإذاعة العربية البريطانية و«هنا عمّان» مجلة الإذاعة الأردنية، كما وصلني على نفس العنوان شيك بخمسين ريالا جائزة من الإذاعة السعودية، وكان محولا على مؤسسة النقد العربي السعودي، فرع الطائف.

في امتداد لتلك الحقبة الزاخرة، كتبت رسالة لكوكب الشرق السيدة أم كلثوم، طلبت فيها أن تستضيفني في إحدى حفلاتها، فأنا محب لها، غير أني رقيق الحال لا أملك تكاليف السفر إلى مصر، وصلني الرد متأخرا يعد بتحقيق طلبي لاحقا، غير أني أدركت فيما بعد أن لها حفلا كان يؤجل عن موعده في كل مرة، فقد كانت «السيدة» تعيش سنواتها الأخيرة.

استمرت عناويني الحميمة على هذه الوتيرة: كلية التربية «عند انتقالي لمكة المكرمة» ودكان عبدالله بن سعدي «بعد انتقالي للباحة معلما في عام 1396» ثم اتخذت لي صناديق بريد: في جدة «عقب انتقالي لها» ثم في رهوة البر «بعد عودتي متقاعدا للباحة» ثم في بريد الباحة نفسها.

وحتى هذه اللحظة، ما يزال البريد وصندوق البريد نافذتي التي أطل منها على العالم، ومع أنها ليست النافذة الوحيدة بعد توالد وسائل التواصل المعاصرة، غير أني ما زلت أردد مع حيدر فكري: وأراجع البوسطة كل يوم والتاني، وما زلت أعلم علم اليقين أن البوسطجية «موسعين صدورهم عليّ» ولم يشتكوا من كتر مراسيلي.

محمد ربيع

محمد بن ربيع ، ولد في 1954م ودرس في مدارس الباحة والطائف، ثم في مدارس دار التوحيد بالطائف، تخرج في كلية التربية بمكة عام 1396هـ. يكتب القصة والمسرحية والتمثيلية الإذاعية والمقالات العامة والمحاضرات التي تناولت المسرح المدرسي والموروث الشعبي والسير الشعبية نشرها في صحف ومجلات سعودية. له العديد من المؤلفات منها مفردات الموروث الشعبي، ذاكرة الفواجع المنسية (حكايات شعبية) ورجل تدركه الأبصار (قصص).

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق