برجاء الانتظار جاري تحويلكم ...

 
بُعد آخر

وداعا يا رائحة الورق

في أروقة المتجر المجاور، يبدو أن قوة خفية استطاعت أن تثير في نفسي الشجن للوقوف أمام الأرفف الخاصة ببيع الصحف والمجلات -متى وقفتم أمام أحدها آخر مرة؟- الوصول إلى تلك الأرفف لم يعد سهلا، لم تعد تحتلّ الواجهة، ولا خلف الواجهة.

بل زاوية قصية من المتجر تحتاج للاستعانة بأحدِ العاملين كي يدلك على موقعها، أو أن تساعدك زوجتك وابنك للعثور عليها كما حصل معي، هل صدقت نبوءة محمد التونسي التي سطرها في ذات هذا الشهر من عام 2016 عن نعي الورق على الورق؟ أم أننا تجاوزنا تلك النبوءة إلى ما هو أبعد؟

وبعيدا عن دهاليز المطابخ الصحفية وحسابات الربح والخسارة، خسرتُ على الصعيد الشخصي ما هو أكبر، رائحة الورق، والشغف لاقتناء الورق، حاجزٌ كبير من الوعي حال دون أن أمدّ يدي لأقتني صحيفة أو أن يغازلني غلاف مجلة، بما فيها تلك التي تظهر على أغلفتها الشقراوات والسمراوات، يا للزمن، وليسامحني والدي يوم أن كنتُ أتسلل خلسة كي أسبقه لقراءة صحف اليوم الطازجة بجانب حقيبته الجلدية الأنيقة حين يعود من عمله إلى المنزل كل ظهيرة، أو حين كنتُ أوعز لبائع البقالة بحجز نسخة من مجلتي الثقافية المفضلة بداية كل أسبوع قبل أن تنفد من على الرف.

مات الشغف للورق، وحلّ مكانه إدمانُ التقنية، لوهلةٍ شعرتُ كأنني أحمل كل هذه الأرفف وما احتوته في جيبي، إنها في هاتفي أقرب وأسرع وصولا، وبنقرة بسيطةٍ أستطيع الوصول للصحفِ الصادرة في لندن ودبلن، ربما قبل أن يقرأها بعض الإنجليز وجيرانهم الأيرلنديين، فلمَ عناءُ الشراء؟ لو لم يكن الأمر من أجل توفير المال.

فليكن من أجل التقليل من تلوث البيئة وهدر الورق، هكذا فلسفتُ الأمر كي أغادر الأرفف بضمير مرتاح، ألقيتُ على الأرفف وما احتوته نظرة أخيرة.

الوداع يا رائحة الورق.

ايمن العريشي

ايمن علي العريشي: محاضر وباحث في مرحلة الدكتوراة، له عدة مقالات رأي منشورة في عدة صحف سعودية وخليجية كالوطن السعودية و الجزيرة والحياة والرؤية الإمارتية وإيلاف الإلكترونية و موقع هات بوست.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق