برجاء الانتظار جاري تحويلكم ...

 
كلام أقل

«تمثال يركض في الحديقة»

متى تستيقظ التماثيل، وتنزل من غيبتها مشتاقة للناس والحدائق، تلك التماثيل التي سبق للشعراء نحتها في مخيالهم، من رخام يتلفت من الخوف والرغبة.

أحلم أن أراها تركض في الحدائق وتنتصب في الشوارع، تحكي قصصا عظيمة، ترمز وتدل على حضارة تنهض بكل مكوناتها، وتملأ الفضاء العام بجمال رقصتها.

في مرحلة ماضية كنا نحتل المرتبة الأولى عالميا في «التجريدية» على مستوى النحت، فلن تجد نصبا أو منحوتة في سائر أنحاء البلاد إلا «ما بعد التشخيصية» لم يجرؤ نحات أو فنان على عرض منحوتة لجسد إنسان، اتجه غالبية النحاتين السعوديين إلى أشكال تعبيرية، تتفادى التجسيم وتتحاشاه «ليس لوما هنا، بل توصيفا، وللدقة، يمكن إطلاق هذا التوصيف على ما رأيناه في المعارض العامة» مثله كان الرسم أيضا، يتفادى الوجوه ويقص الرؤوس، لولا أنه سبق المنحوتات وكسر التابو الاجتماعي، وتخلص منه تدريجيا، لأن التحريم فيه كان أضعف درجة من تحريم النحت الذي يتعداها إلى إيهام الناس، بأنها يمكن أن تعبد من دون الله.

بدأ النحت على استحياء من بعض الفنانين التشكيلين الرواد، بدءا من عبدالحليم رضوي، محمد السليم، ضياء عزيز ضياء، ثم تخصص فيه آخرون مثل كمال المعلم، وأثرى محترف الدوادمي الذي قاده الرائد عبدالله عبداللطيف، الساحة، وبرز منه علي الطخيس وآخرون، وصولا إلى صديق واصل، محمد الثقفي، طلال الطخيس، عصام جميل، علي الحسن، فيصل النعمان، أزهار المدلوح، فهد الجبرين، سعيد الزهراني، سعود الدريبي، عبدالعزيز الرويضان، لكن غالبيتهم لم يتناولوا تجسيد ذات الأرواح، خشية من مواجهة التابو، والقلة التي غامرت بذلك لم تجد لمنحوتاتها موقعا في داخل الوطن، مما حدا بالبعض إلى اقتصار مشاركاتهم على الخارج.

وكما حلمت بالسينما، حينما كان مجرد اسمها يثير الغبار، ويرمى قائلها بالتهم من كل حدب وصوب، مثل النصال التي لا يمكن صدها كلها، لن أتوقف عن الحلم الذي كتبته مرة:

«تخيلك عاريةً

عصيّ ٌّعلى البال

كأنما ألاحق تمثالا برونزيا في حديقة»

وها نحن نشهد تهافت تلك الموانع الجائرة على العقل، أمام فورة الفنون ونهضتها، شكلا وموضوعا، في مختلف المجالات، بدءا من الموسيقى وليس انتهاء بالسينما، لكن ما يلفت انتباهي هو اختفاء المنحوتات التجسيدية، التي هي علامة ورمز للحياة وأهلها.

النحت الذي ظل قابعا تحت عباءة التجريد / التحريم، لماذا لم ينتفض أسوة ببقية الفنون؟ فعلى الرغم من تجاوز المجتمع السعودي للموانع التي وضعها التشدد في طريقه، إلا أن وقوفه أمام حاجز النحت، ربما يطرح تساؤلا عميقا هنا، هل هذا الغياب الواضح بسبب استسلام ذهنية الفنان أم تحوط المسؤول، أيهما أو كلاهما لا يزال محكوما بالتابو الذي فرض حرمة نحت التماثيل؟ أم أنها تحتاج في اللحظة الراهنة إلى انتباهة وشجاعة لم تتوفرا بعد.

* «تمثالك يركض في الحديقة» عنوان قصيدة من ديوان تمارين الوحش الصادر عام 2012م.

احمد الملا

شاعر من السعودية، أصدر عشر كتب شعرية منذ عام 1995م، حائز على جائزة محمد الثبيتي الكبرى 2015م . عمل في الإدارة الثقافية، في عدد من المؤسسات مثل نادي المنطقة الشرقية الأدبي وجمعية الثقافة والفنون بالدمام والأحساء، كما عمل في الصحافة . مؤسس ومدير مهرجان أفلام السعودية، ومهرجان بيت الشعر .

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق