برجاء الانتظار جاري تحويلكم ...

 
فضاءات

الهروب نحو الصحراء

المتتبع لما يتم تداوله في وسائل التواصل الاجتماعي يجد أن المحتوى الثقافي لحياة الصحراء وقيمها وطرق معيشتها، يطغى بشكل كبير وملفت، على غيره مما ينشر في هذه الوسائل.

الملفت بالأمر الذي يدعو للتوقف والاستغراب أن هذا المحتوى ليس جزءا من الحياة اليومية المعاشة التي يمارسها الناس بحياتهم اليومية الحالية، بالشكل الذي يبرر كثرة تداوله والحديث فيه، وإنما هو محتوى مستورد من الماضي.

محتوى متخيّل يتم استحضاره بصورة مثالية ومن ثم إسقاطه على واقع معيشي وثقافي واجتماعي واقتصادي لا يشبهه، إلى درجة أنه أصبح من الطبيعي أن تجد فئات كبيرة من المجتمع تتحدث عن «الذود» وتتغزل بالإبل وحياة الترحال بشغف كبير، بالوقت الذي تعيش فيه بفيلا وتتنقل بسيارة حديثة، وقد لا تكون قد شاهدت الإبل في حياتها سوى بالتلفزيون أو في أسواق «الحلال» وقد تجدها تتغنى «بالدلة المهيّلة» بالوقت الذي تتناول فيه «الاسبريسو أو الأمريكان كوفي مع الدونات»

استحضار الثقافة واستيراد القيم المجتمعية من خارج رحم الحياة اليومية المعاشة، سواء تم هذا الاستحضار بالاستيراد من مجتمعات أخرى أو من عصور أخرى لذات المجتمع، هو أمر غير سوي وغير طبيعي، ويشير إلى وجود خلل مجتمعي ما، يؤدي إلى عدم قدرة هذا المجتمع على توليد ثقافته الخاصة وصناعة قيمه المجتمعية ومنظوماته الأخلاقية التي تحكم التقاطعات بين أفراده بحسب حاجته وظروف معيشته.

فالثقافة ومنظومة القيم ما هي إلا شكل من أشكال تكيف المجتمعات مع ظروف معيشتها، واضطرارها إلى استيراد ثقافة حاضرها من مرويات وسرديات ماضيها، يؤكد بشكل مباشر على عجز هذه المجتمعات على التعايش مع عصرها، وعدم مقدرتها على التفاعل مع معيشتها، وخلق قيم مجتمعية تتوازى مع ظروف هذه المعيشة، بالشكل الذي يجعلها في حاجة لاستيراد ثقافة ما، إما من المجتمعات المعاصرة المحيطة بها، أو من خلال التفتيش في حكايا ماضيها وترميم أجزاء من ثقافة الماضي وتلميعها وإسقاطها على الحاضر، تحت شعارات الأصالة والتفرّد والخصوصية، وغيرها من التعابير الرنانة التي يتم من خلالها مداراة العجز الحاصل في مواجهة الحاضر، والقدرة على خلق قيم وضوابط وأخلاقيات مجتمعية جديدة تتناسب معه.

وليس هناك –برأيي- أسوأ من هذا العجز سوى محاولات ترميمه وتجميله والتحايل على حقيقته، من خلال الشعارات الواهية المخادعة والمضللة بالشكل الذي يضمن تكريس هذا الجهل لعقود قادمة.

تركي رويّع

تركي رويع الرويلي، مواليد منطقة الجوف ، بكالوريوس هندسة ميكانيكية في جامعة الملك فهد للبترول والمعادن، يعمل في الشركة السعودية للكهرباء مستشاراً للسلامة والصحة المهنية ، كاتب رأي سابق في صحيفة الشرق السعودية، وله العديد من الكتابات في المواقع الإلكترونية.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق