برجاء الانتظار جاري تحويلكم ...

 
إيقاع

التشجيع الكروي.. الأصدقاء «يتضاربون»

أظن أن عددا ليس قليلا من مشجعي أنديتنا وهم بالأصل أصدقاء، لكنهم من فرط تعصبهم كادوا يقعون في المحظور إن لم يكن بعضهم قد وقع، من خلال المبالغة في تمجيد هذا الفريق، والسخرية من الفريق المنافس، ثم يصل الحال إلى الاستفزاز وما بعده من الغضب، وقد ينتهي بالقطيعة.

وهنا يثور سؤال بدهي يفرض نفسه بقوة «هل الرياضة صارت تفرّق ولا تجمع؟» نسأل انطلاقا مما نرى، فثمة من يتعاطى التشجيع بعنف، ولا يستطيع أن يملك زمام نفسه، ولا يقدر على ضبط أعصابه، في حين أن الرياضة وفي واحد من وجوهها هي متعة وجمال، فأنت على مدى 90 دقيقة تعيش سهرة كروية لذيذة.

ومن العجب أن عددا ليس قليلا من المشجعين، تراه وقد بلغ به الحنق مبلغه، في المنافحة بجنون عن فريقه حتى أمام أصدقائه الخلص، فتسأل من حولك ببراءة، على طريقة «سلامات» هل الأخ من أحفاد مؤسسي النادي، أو أن أباه أو أخاه كابتن الفريق؟ أو أن للنادي أسهما في السوق المالي وهذا «المليح» يهمه ألا تضيع دراهمه؟ فيقال لك: لا، بل ويزيدونك: أن هذا العاشق المتيم لو جاء إلى باب النادي، فربما لن يُدخله أحدٌ من عتبة الباب.

روى لي أحد الأصدقاء هذه الحكاية، قال: كنا مجموعة من 10 أصدقاء، في «طلعة» مودة ومحبة، إلى أحد المطاعم، ثم تصادف وجود مباراة في كرة القدم، فظل الرفاق يشاهدونها بشغف بالغ، ثم فجأة بدأت التعليقات والمماحكات، إلى أن تطورت إلى كلمات غير لائقة، فما كان من ثلاثة إلا أن غادروا المكان غاضبين قبل أن يصل الطعام، ثم لحق بهم أربعة من الجبهة المقابلة للتراشق الكلامي، ولم يبق إلا ثلاثة كانوا يشجعون «على خفيف»

الثلاثة الباقون –ولحظهم العاثر- دفعوا فاتورة العشاء كاملة، ثم أكلوا ربع الطعام وشبعوا، وظلوا يبحلقون في بعضهم وفي ثلاثة أرباع الطعام الباقي، الذي ظل كما هو على السفرة.

منطقيا وموضوعيا الرياضة تجمع ولا تفرق، ويجب أن تكون كذلك دائما وأبدا، فذاك هو الأمر الطبيعي والصحيح، لكن لدى أهل العقول، والملاحظ بالنسبة لبعضنا كأصدقاء وأحباب، عندما يصل الأمر للتشجيع، نكون أشبه بالأعداء، متباغضين، كل منا لا يطيق الآخر، بل ولا يريد أن يرى «رقعة وجهه» مع الأسف.

والسبب في ذلك، الجهل، وضعف الوعي، وعدم فهم أن الكرة عموما والتشجيع خصوصا، هي حالة من الترفيه البريء الجميل، الذي يُسري عن النفوس ويمتعها.

العجيب أن بعضنا لا يسمح لنفسه أن يرى ويقبل فرحة مشجعي الفريق المنافس، وهم يبتهجون بفوز فريقهم، فضلا عن كونه يقدم التهنئة لهم، يستكثر عليهم الفرحة، ويراها غير لائقة بهم، بل ويتمنى في حقيقة نفسه لو خسفت الأرض بأولئك وبفريقهم.

وهذا ليس مجرد سلوك معوج، أو مجرد شعور غير مهذب وحسب، بل هو في الحقيقة مرض.

بخيت الزهراني

بخيت طالع الزهراني، بكالوريوس الآداب والعلوم الإنسانية، جامعة الملك عبدالعزيز، كاتب وصحفي، سكرتير تحرير صحيفة «البلاد» سابقا، حصل على جائزة وزارة الحج السعودية عن أفضل تقرير صحفي إنساني لعام 2013، حصل على جائزة منطقة الباحة لأفضل قاص بالمنطقة لعام 2014 عن مجموعته القصصية «حفلة الجن» له سبعة من الكتب المنشورة، وأخرى قيد النشر.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق