برجاء الانتظار جاري تحويلكم ...

 
خارج الزمن

الحياة الرقمية.. مخاطر العصر الحجري

في حياة تسير على إيقاع الذكاء الصناعي، تصبح الحياة الرقمية واقعا حقيقيا، تحول العالم من المستوى الحقيقي إلى المستوى السيبراني، وأصبح التجول في المواقع ذات التهديد العالي أشبه ما يكون بالدخول إلى ساحات المعارك بالخطأ، التي قد تكلف الشخص الكثير والكثير جدا، أقلها قرصنة البيانات وقد تمتد التهديدات والمخاطر التي قد يتعرض لها للسيطرة على كل شيء.

نتطلع إلى الجيل ما بعد الخمسين للبيانات، لكن الحياة الرقمية ليست وردية كما قد يتخيلها البعض، إنها ساحة تعج بكل شبكات الإجرام والمافيا بكل أنواعها وأنشطتها، عالم موازٍ للعالم الحقيقي أصبح أكثر سطوة وحضورا من العالم الحقيقي، فضاء مليء بالقتلة والنصابين، والنشالين، والمزورين، والمرتزقة، والرعاع، والمشردين، وكل سكان الشوارع المظلمة، وقد يكلف الاشتباك مع أحدهم حتى وإن كان عن طريق الخطأ كل ما جمعه الشخص طوال حياته، ولو عبث أكثر مما يجب قد يكلفه ذلك حياته.

الأمر بكل بساطة، لا تثق في أي شيء، فقاعدة العالم السيبراني «الثقة غباء» بمعنى لا تتِح بياناتك لأي شخص على الطرف الآخر، الثقة في التعامل مع المواقع المختلفة تنازل عنها إذا أردت أن تحمي نفسك، فكل ما تفعله في العالم السيبراني مكشوف، وكل خطوة تخطوها تعد معلومات شخصية عنك يتم تدوينها وتصنيفها، وبالتالي يتم تتبعك عبرها في العالم الافتراضي، وإذا اقتضى الأمر في العالم الحقيقي.

في الحقيقة، الحياة الرقمية كالرقص مع الوحوش، ففي اللحظة التي تغفل فيها سيبتلع الوحش رأسك، وستصبح في جزء من الثانية وليمة دسمة لضباع العالم الرقمي.

يمكن تشبيه الأمر بالحياة في العصر الحجري، فالشخص الذي يترك كهفه ويتجول في البراري دون أية حماية سيصبح لقمة سائغة للوحوش، وكلما ابتعد عن الكهف، قلت فعالية الحماية والسلاح الذي يحمله، وعندما يتم تحييد السلاح تكون قد توقفت رحلة العودة إلى الكهف إلى الأبد.

لذلك يحتاج الشخص إلى كم هائل من البيانات لا يقل عن «واحد تيرا» في اليوم وبرمجيات حماية عالية الدقة وعالية من ناحية الفعالية الأمنية، فكلما كانت ذخيرتك من البيانات عالية كانت لديك حماية عالية أيضا من البرمجيات، على ألا تتجول في المواقع المشبوهة.

في نهاية العام 2045 يمكنك أن تتجول وفق الواقع الافتراضي المعزز في أي موقع وكأنك أحد سكانه، على سبيل المثال يمكنك زيارة موسكو، أو لندن، أو باريس، أو حتى لاجوس، أو كينشاسا، كذلك بإمكانك أن تزور نيويورك، أو لوس أنجلوس، أو بيونيس ايريس، أو ريودي جانيرو، وأنت في موقعك في إحدى ضواحي مدينة الدمام، لكن هذه الرحلة إن لم تخُضها وأنت بأمان قد تكلفك أكثر بكثير من رحلة حقيقية تتعرض فيها لكل أنواع المخاطر المحتملة وغير المحتملة، إنها باختصار إن تمت عن طريق الخطأ أو بدون أمانٍ حقيقي، كالذي يحضر الوحوش إلى منزلة ويدعوها لوليمة نباتية حينها فقط، سيكون الداعي هو الوليمة التي قد تشبع جشع وجوع الوحوش.

في الواقع هذا لا يدعو إلى اليأس أو تصوير الحياة على أنها أصبحت أخطر أو أكثر شراسة، إنه فقط جانب واحد من جوانب المخاطر التي قد يتعرض لها شخص ما يتعامل مع التقنية بسذاجة.

مع الجيل الخمسين للبيانات، التي بإمكانها أن تنقلك في أقل من جزء من الثانية من عالم إلى عالم، يصبح الخطأ أكثر كلفة والخروج من الكهف إن لم تكن بأمان قد يكلفك كل شيء، حتى حياتك، لذلك لا تعتقد أن الحياة أصبحت وردية أكثر، بل ما زالت مخاطر حياة الكهوف والعصر الحجري قائمة حتى اللحظة.

عبيد السهيمي

عبيد السهيمي إعلامي وكاتب رأي سعودي، تخرج في كلية المعلمين وعمل صحفيا غير متفرغ في صحيفتي اليوم والشرق الأوسط. روائي صدر له عن دار مسكلياني رواية المشرف.

تعليق واحد

  1. استاذ عبيد موضوع جميل جدا و تنبيه للمخاطر القادمة و التعامل مع الحياة الرقمية بحذر .. سلمت يداك و طاب قلمك

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق