برجاء الانتظار جاري تحويلكم ...

 
نقطة نظام

«الثقافة» من رهينة للاقتصاد إلى شريكته في الازدهار والتقدّم!

لم يمرّ على استخدام كلمة «ثقافة» بمعناها المتداول حديثا في عالمنا العربي، حوالي القرن من الزمن، منذ أن كتبها للمرة الأولى الأديب المصري سلامة موسى «1887 – 1958» ضمن سياقها المعاصر.

ولنا أن نفهم تحديات المفاهيم الجديدة وصعوبة تطبيقها، واليوم، نجد الإمارات العربية المتحدة، الدولة الفتية، تقود الاتجاهات والجهات لـ«قمة الثقافة ودورها في دفع النمو الاقتصادي» فقد باتت العلاقة بين الثقافة والاقتصاد علاقة تبادلية، وأصبح دور الأولى في الثاني وغيره جوهريا.

ويعود سبب هذا الترابط إلى أن تحسين ظروف العيش الإنساني لم يعد يترجم بزيادة الدخل وحسب، بل يفرض أيضا تحسينا مستمرا لجودة الحياة نفسها، كما يفترض تطلّعا إلى قيم جديدة وبنّاءة مواكِبة للعصر.

تُعَدّ الثقافة محدِّدا مهما لقدرة الأمة على الازدهار، لأنها تشكل المبادئ الأساسية التي ينتظم حولها النشاط الاقتصادي الذي من دونه يغدو التقدم مستحيلا، وثمة عقبة ناجمة عن أن كثيرين من المهتمين بالشأن الثقافي لا يعون العلاقة التكاملية بين الثقافة والاقتصاد، تلك العلاقة التي تتعاظم في دول متقدمة وتتضاءل تدريجيا في دول نامية.

ويرى أصحاب الاختصاص أن الثقافة كمفهوم مرتبطة بالاقتصاد في ثلاثة أبعاد:

الأول، الاقتصاد الثقافي وهو الذي يتعامل مع المنتَج الثقافي كسلعة أو خدمة.

والثاني، ثقافة الاقتصاد وهو الذي يتعامل مع السلوك كمؤثر على الاقتصاد.

والثالث، الاقتصاد الإبداعي وهو الذي يتعامل مع الأفكار الإبداعية في الاقتصاد بهدف تحسينه أو ابتكار أنواع جديدة من المؤسسات.

فالاقتصاد لا يعني إهدار المكوِّن الثقافي كركيزة للمجتمعات، بقدر ما يعزّز قدرتها على الحفاظ على هويتها وإنتاج أشكال جديدة من الثقافة تتماشى مع جوهرها من نواحٍ مختلفة، والتغيّرات التي طرأت على أنماط الثقافة العالمية منذ القرن العشرين، حتّمت على المؤسسات الثقافية الحكومية أن تتحول من التوجيه والإرشاد إلى التمكين والتنويع، وهو الأمر الذي يرتّب عليها إعتاق أدوات الإنتاج الثقافي ووضعها في تصرّف التنافسات الفردية، وإلاّ ستقصّر -أي المؤسسات- في أداء مهامها.

ثم تَشْرع في الاستعداد للتنسيق بين المكونات الثقافية القائمة في المجتمع، من دون التدخل في شكل نمطي عقيم.

ويستدعي ذلك وضع سياسات عامة جديدة، تدمج كل الأنشطة والقطاعات الثقافية، من منظور استراتيجي يكون فيها للاستثمار الثقافي مردود ربحي، من أجل خدمة الإنسان وتسويق إبداعاته، وهو ما أكدت عليه منظمة اليونسكو الشريكة في القمة، من خلال وضع الثقافة في صميم سياسة التنمية في دول العالم، وما يشكل استثمارا أساسيا في مستقبلها.

وينبغي للحكومات العربية أن تتعلم من أخطاء الماضي حين حصرت الثقافة في الكتاب، ومحتوى الكتاب الذي كان مشغولا بفنون السرد والشعر غالبا، وفي المقابل، هَمّشت بقية العلوم الإنسانية مثل الفلسفة وعلم النفس وعلم الاجتماع والفنون بمجملها، وجعلت الثقافة كمفهوم عام تقبع داخل أطر جامدة، ويتعامل معها معظمهم على أنها ترف بلا نفع، على رغم ما حققته دول أخرى من نجاحات كبيرة في تحويل هذا المفهوم إلى قوة اقتصادية.

وعلى سبيل المثال على النماذج الثقافية، يشير المفكر الأمريكي نعوم تشومسكي، إلى أن الولايات المتحدة تميزت في التكنولوجيا، بينما تميزت أوروبا في الصناعات الثقيلة -ولو بنسب متفاوتة- بسبب طبيعة الثقافة المجتمعية في كل منهما، بما انعكس على الاقتصاد.

فالولايات المتحدة دولة عملية، تهتم بالعلوم بالقدر الذي يحقق فائدة مباشرة، لذا تبدو المجالات التكنولوجية -أي التطبيقية للعلم- أكثر ملاءمة لها، بينما تبدو العلوم التطبيقية التقليدية أكثر ملاءمة لأوروبا، المحافِظة والساعية إلى نمو بطيء لكن مستقر.

ثم جاء العصر الرقمي لييسّر المهمة فأصبح كل منا قادرا على أن يحمل الثقافة إلى مجالات أرحب، كما جنت الدول فوائد اقتصادية كبيرة من خلال التوظيف السليم لأشكالها الثقافية في كل القطاعات الصناعية والفكرية والفنّية والخدماتية.

وباتت المنافسة اليوم محددة المعايير، ولم تعد الشعوب تنتصر وتنهزم أمام بعضها، بل تمدنت وأصبحت المنافسة بين المجتمعات ومن يحقق فيها نجاحا، وكل هذا في سبيل رخاء الإنسان وجماليات الوجود.

أحمد الفاضل

أحمد عبدالله الفاضل، بكالوريوس قانون، ماجستير الممارسة المهنية للقانون من جامعة الملك عبدالعزيز، كتب في العديد من الصحف والمواقع السعودية والعربية، محكم معتمد من هيئة المحكمين العرب، محامٍ ومستشار قانوني.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق