برجاء الانتظار جاري تحويلكم ...

 
تفاعلمجرد قراءة

عالم الفقاعات

في مقالتي هنا الأسبوع الماضي، جادلت بأن توفر المعلومات على الشبكة العنكبوتية، ومن خلال إمكانات محركات البحث، وفرت فائضا من المعلومات، ولكنها بالمقابل عززت التفكير السريع، والنزعة اللا واعية نحو الانحيازات التوكيدية، بحكم احتواء الشبكة على المعلومات المؤيدة وكذلك المعارضة لمعارفنا وأفكارنا المسبقة. وبالتالي، فإن توفر المعلومات بهذه السهولة وبهذا الحجم، قد يدفعنا إلى إعادة إنتاج أفكارنا المسبقة بأدلة جديدة ننتقيها من المعلومات الفائضة.

‏وهنا، سأربط ذلك العامل بعامل آخر وفرته الشبكة، وهو وسائل التواصل الاجتماعية، فهذه الوسائل أيضا قد تقود إلى مغالطات إدراكية أخرى من خلال خصائصها التقنية وطريقة اشتغالها.

بداية، يمكن وصف تشكل معارفنا من خلال التفاعل مع الآخرين في الواقع، بأنه يبدأ من خلال الاستماع والحوار مع آراء مختلفة، وقد يدفعنا ذلك مع الوقت إلى انتقاء دوائر صداقة خاصة بنا بناءً على الاهتمامات المشتركة، وانسجام الأفكار، ولكن بحكم الفضاء الواقعي، نبقى في تفاعل مع الآراء المختلفة التي نقابلها في المجالس العامة والجامعات وفي أعمالنا وحياتنا اليومية الاعتيادية.

‏وذلك على خلاف ما تفعله وسائل التواصل الاجتماعية التي تدفعنا للتقوقع في فقاعات، من خلال خوارزمياتها التي تقترح علينا صداقات تشابه «البروفايل» الخاص بنا، واستنادا على تفاعلنا مع منشورات الأصدقاء التي نسجل عليها إعجابنا ونشاركها على صفحاتنا.

وينتهي بنا الأمر إلى حصد صداقات مشابهة لنا، والاشتراك في صفحات ومتابعة قنوات تنسجم مع اهتماماتنا، وبعبارة أخرى، نحيط أنفسنا بدوائر تجعلنا نتصوّر بأن المحيط كله يشبهنا، وأن المجتمع تغير إلى حد التطابق مع سلوكياتنا وأفكارنا.

‏إذن، فالفضاء السيبراني ليس فضاءً سالبا، بل فاعلا إيجابيا يقوم من خلال أدوات الذكاء الاصطناعي بتوفير منطقة الراحة الخاصة بكل مستخدم، ليتفاعل فيها مع المشابهين له، وتصله فيها الإعلانات والأخبار والمعلومات التي يرغب في متابعتها بناءً على سلوكه السابق في الشبكة.

فما نراه على «التايم لاين» وعلى واجهة «السناب شات» وما يقترحه علينا اليوتيوب ليس بالضرورة معبرا عن الواقع الخارجي بقدر ما هو انعكاس لذواتنا على ذلك الفضاء الذي يقوم بترتيب مكوناته ليطابقنا نحن، وهذا يحملنا للانغماس أكثر في عوالمنا الخاصة التي تترتب على مقاساتنا الخاصة، فنعزز أفكارنا بالتعاضد مع أشباهنا الذين اقترحتهم علينا منصات التواصل لتشابه بياناتنا وسلوكنا والمواد التي نطلع عليها، أي أن تحليل البيانات الضخمة هو الذي اقترح علينا الصداقات والروابط الافتراضية وخلق شبكات اجتماعية تحمل اهتمامات مشتركة، تجعل أصحابها قادرين على التعاضد لتثبيت أفكارهم.

هذا كله يقودنا لاستنتاج أن الشبكات الافتراضية فاعلة في القيام بدور التشبيك networking وخلق فضاءات فرعية، أشبه بالفقاعات التي ندخلها طوعا دون شعور بسبب تلك البرمجيات، ثم نمتلئ بثقة عالية وشعور مضلل بأن الواقع الخارجي هو ما نشعر به داخل الفقاعة التي تصنعها آلة اخترعناها وباتت تخترع أوهامنا.

محمد الشافعي

محمد بن عبدالله الشافعي، حصل على درجة الماجستير في هندسة البترول من جامعة تلسا بالولايات المتحدة الأمريكية، وبكالوريوس الهندسة من جامعة الملك فهد للبترول والمعادن في الظهران، كاتب ومدون، مهتم بدراسات سيسيولوجيا الدين، عضو عدد من الملتقيات الأدبية، وله الكثير من المشاركات في محافل ثقافية في موضوعات المجتمع الشبكي، والهُويّات، والدين والمجتمع.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق