برجاء الانتظار جاري تحويلكم ...

 
رجع الأفياء

المدجّنون في الأرض

كان الواحد منهم أقل من رويبضة أو لعله كان رويبضة لكن بلا عمل، وفجأة جاء من دجّنهم ثم نفخ فيهم، وقال لهم: سيروا في الأرض فأنتم رويبضة هذا الزمان. فرحوا كثيرا بتلك المرتبة دون اكتراث لوضاعتها وحقارة الانتساب إليها، فرحوا لأنها ستحقق لهم مآرب شتى منها اكتساب المال، ومنها الظفر بمنصة يجد نفسه عليها مثل قرد فوق صخرة في سفح جبل.

أحدهم ظفر ذات يوم بصحيفة سيّارة تحمل اسما غاليا عند أهل الديانات السماوية كافة، إنها صحيفة القدس التي تصدر في لندن! سلموه رئاسة تحريرها فانطلق يفتي في كل شيء ويتحدث عن كل شيء، يصول ويجول في كل ميدان إلا ميدان القدس التي تحمل صحيفته اسمها.

لقد كان يكفيه أن يعطي نزرا من اهتمامه ومن اهتمام صحيفته لصالح فلسطين وقدسها الشريف -هذا إن لم تكن وقفا على القدس وشؤونها- فتكون جديرة بقداسة الاسم، ومع ذلك فما كان فيها لفلسطين وللقدس إلا الهوامش.

غيره ظفر بقناة فضائية تبث برامجها من مكتب بسيط في دولة استعمارية! وتراه وضيوفه وكأنهم في صالون حلاقة، أو تراهم أشبه بحارس عمارة في مدينة رطبة يجالس ثلة من أصدقائه -وإن كان حارس العمارة أطهر وأزكى- وتراه يثرثر ويفتي ويتلو القرآن وينشد الأناشيد في صلف عجيب، وكأنه يبث برنامجه من على أمتان الفرقدين لفرط ما فيه من مكابرة ومن عنجهية، وفي الوقت الذي تجتاح بلاده سيول جارفة من المشكلات فإنه وقناته في واد وتونس في واد آخر.

وثالثٌ أعطوه صحيفة عنكبوتية، ويقول إن لها بعدا ورقيا فإن صدق فأظن ذلك مما يضاعف ذنبه -ولا أتألّى على الله- لكن ما يكتبه في صحيفته العنكبوتية من كلام بذيء فاحش يبرر ما قلت وإن كان حسابه وحسابنا عند الله يوم يقوم الحساب، لكنه في مجمل حاله مثل سائر المدجّنين في الأرض: دعاة فتنة وألسنة شرّ، ضائعون جاءهم من رفعهم إلى مرتبة رويبضة، ثم دجّنهم حتى أمسى الواحد منهم بلا رقبة وأصبح بلا جبهة.

محمد ربيع

محمد بن ربيع ، ولد في 1954م ودرس في مدارس الباحة والطائف، ثم في مدارس دار التوحيد بالطائف، تخرج في كلية التربية بمكة عام 1396هـ. يكتب القصة والمسرحية والتمثيلية الإذاعية والمقالات العامة والمحاضرات التي تناولت المسرح المدرسي والموروث الشعبي والسير الشعبية نشرها في صحف ومجلات سعودية. له العديد من المؤلفات منها مفردات الموروث الشعبي، ذاكرة الفواجع المنسية (حكايات شعبية) ورجل تدركه الأبصار (قصص).

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق