برجاء الانتظار جاري تحويلكم ...

 
قراءة الميزان

هندسة الارتباط في ظل التواصل الاجتماعي

الكل أصبح يعي مفهوم الاتصال من خلال قنوات التواصل المعروفة والمتعددة مثل الواتس آب والفيس بوك وتويتر وغيرها، ولكن ثمة اتصالا يكون عن طريق الحواس الخمس، كالاستماع والمشاهدة مباشرة، وهذا يبقى ملكة ومهارة من المهارات الشخصية المهمة، لكن يا ترى ما المقصود بالارتباط أو الترابط الاجتماعي، وهل يختلف عن التواصل الاجتماعي؟

الارتباط هو عبارة عن تنشيط وتفعيل المشاعر والأحاسيس لدى الفرد وإشراكها في عملية التواصل مع الآخرين، بمعنى آخر عندما تتحد معا المشاعر القلبية والحواس الخمس، تنتج ما يسمى بِالارتباط.

فمثلا عندما تبتسم فأنت لك الخيار إما أن تحبس ابتسامتك في حدود إبراز أسنانك، وهذا اتصال، ولكن إذا أردت أن ترتبط مع الطرف الآخر فإنك تحتاج إلى تغليف هذه الابتسامة بتعابير وجهك وتقاطيع محياك الصادقة، إذا الارتباط هو درس عملي يحتاج أن نمارسه بشكل يومي وتلقائي مع كل من نتواصل معهم وأن نكون كرماء المشاعر.

السؤال الذي يطرح نفسه هو: كيف نُحفز ونُفعِل آلية الارتباط؟

الجواب هو أن التعود على الشكر والامتنان والتقدير لمن حولنا ومن نتواصل معهم بحواسنا وقلوبنا ومشاعرنا، هذا من شأنه أن يقوي عملية الارتباط ويشكل شخصيتنا ويكسبنا الثقة بأنفسنا.

فمثلا لو قرأت مقالة لشخص ما وأعجبتك، فلا يضيرك أن تُسجِل سطورا تعبر فيها عن إعجابك بما قرأت، لأن هذا واقع سيعزز معنى الارتباط، ناهيك عن أنه إثراء للغةِ التواصل لديك.

أيضا لو شاهدت واستمعت لمقطع فيديو وأعجبك، لا تتوان في أن تعبر عن إعجابك بصدق، بكلمات تنفس فيها عن مشاعرك، لتصنع صدى السعادة في صدرك، فهذا ارتباط، حتى على مستوى إلقاء التحية والسلام وجها لوجه، فقد لا يتعدى السلام بضع كلمات، وهذا اتصال، ولكن عندما يزف السلام محملا بالمشاعر الأخوية الصادقة لها حرارة أكبر من حرارة الكف، فهذا ارتباط، لاسيما مع الوضع القائم مع جائحة «كوفيد – 19» حيث أصبح الالتزام بالاحترازات الوقائية سلوكا حضاريا.

ولأننا معرضون لقوى المد والجزر من خلال القوى الثلاث البيت والعمل والمجتمع، لذا نحتاج إلى الارتباط لتشكيل نوع من الحماية والثبات والاتزان، هذا النوع من الارتباط يذكرني بالسفينة الراسية على الشاطئ، فعندما تكون الأمواج عالية تصبح السفينة في حالة غير مستقرة، وتحتاج إلى المرساة لتثبيتها، شأنها في ذلك شأن الترابط الاجتماعي، الذي يعمل فينا كعمل المرساة في السفينة في البحر، فهو يكسب النفس الهدوء والراحة والطمأنينة والاتزان.

من الطبيعي أن نحتاج إلى هكذا مرساة في حياتنا، ولكن أهم وأروع مرساة هي تلك التي تبعث فينا الطمأنينة والسلام الداخلي، عن طريق الارتباط الروحي مع الخالق سبحانه من خلال الدعاء والصلاة بوعي وخشوع.

علي القضيب

بروفيسور مشارك غير متفرغ في جامعة الملك فهد للبترول والمعادن، حيث خدم الجامعة على ما يربو الأربعين عامًا. حصل على درجة الدكتوراه في الهندسة المدنية من جامعة ولاية كارولينا الشماليةله عدد من البحوث العلمية، وعدد آخر من المشاريع البحثية الممولة، كباحث رئيسي في بعضها، أشرف على طلاب الماجستير والدكتورة، كما له ما يقارب 24 بحثاً علمياً في الأوساط العلمية الدولية المحكمة، وشارك في الكثير من المؤتمرات الدولية المتخصصةعضو نشط في المنظمات المهنية حيث شغل منصب رئيس الجمعية الامريكية للمهندسين المدنيين – فرع السعودية لعام 2007 والتي تشرف عليها أرامكوا السعودية وعضو مؤسس في مجلس إدارة معهد الخرسانة الأمريكي – قسم المملكة العربية السعودية لعام 2005 - حتى الآن وعضو في قسم الهندسة المدنية باللجنة الهندسية السعودية. كما أنه عضو في لجنة بناء كود البناء السعودي – قسم الهياكل.

‫3 تعليقات

  1. مقال رائع حداً. شكرا لكم دكتور على تناول مثل هذه المواضيع التي يحتاجها المجتمع. يبدو ان قاموسنا الشعبي العملي يخلو جداً للأسف من كلمات الامتنان والتقدير وما اسميه التشاعر empathy . في كثير من الأحيان قد يندفع قاريء المقال ليسجل اعجابه لكن لا يجد اي اكتراث من الكاتب نفسه حتى بالرد بكلمة ٠شكراً لاهتمامك”، وهذا ما يجعل كثيرا من القراء لا يكترثون، ولذا تجد اكثرهم قراء صامتين . وعدم الاكتراث هذا تجده للاسف منتشرا في غير مكان او سياق وكأن عبارة : “شكرا لك” باهظة الثمن وتكلفنا كثيرا جدا

    لكن شكرا لكم وبوركت وبارك الله في قلمك حتى لو لم ترد على ردي هذا

  2. ما أشد حاجتنا إلى الارتباط الأسري والاجتماعي فهو بحق “يعمل فينا كعمل المرساة في السفينة في البحر”

  3. جميل جدا هذا المقال .. ونرى أفكاره منعكسة عليك في تعاملك مع الآخرين عبر الكلمة الطيبة وعبر الابتسامة .. تحياتي

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق