برجاء الانتظار جاري تحويلكم ...

 
بعض من بوح

نهم القراءة

لأن القراءة كالتطعيم الموسمي، كان علينا أخذ جرعة منها في كل موسم حتى نبعد عنا فايروس الجهل، لكن المشكلة أن هذا الفايروس مقيم لدينا، يتلون ويتشكل باستمرار ويصاب به الجميع لكن بدرجات وأشكال مختلفة، ولأن الجهل أصبح وباء متجددا ومتحورا كما يفعل بنا فايروس كورونا، فإنه يتطلب من الجميع الحصول على التطعيم وربما يكرره عدة مرات، وأسوأ الأوبئة هو أن يتخيل أحدنا أنه لم يصب بها.

وحتى ننجح في مسعانا نحو تفعيل القراءة للجميع، فقد كان لزاما علينا كأمة أن نبتلع الكتب ابتلاعا، وأن نهضم ما بها هضما لا نبقي منها ولا نذر، ليس مطلوبا من الجميع أن يتفكر ويتدبر قبل اختيار وقراءة أي كتاب، فالمهم أن يستهويه الكتاب ويحبه ويأخذه من صفحة لأخرى، كما الجائع الذي يقبل على الطعام دون تفكير كثير، وقد يحتاج أكثرنا إلى مدة طويلة قبل أن يتحتم عليه التفكير في نوعية ما يقرأ وما لا يقرأ، وهي المرحلة التي نشعر بها عندما نصل إلى حد الشبع الوقتي.

إذن لنقبل على قراءة أي كتاب تقع عليه أيدينا ونحاول إكماله، فلا بد أن تكون به فائدة، وحتى لو كانت الاستفادة من كتاب ما محدودة، فلا بأس من إكماله.

«ليس هناك كتاب أقرأه ولا أستفيد منه شيئا جديدا، فحتى الكتاب التافه أستفيد من قراءته أني تعلمت شيئا جديدا هو ما هي التفاهة؟ وكيف يكتب التافهون وفيم يفكرون» العقاد.

ولنحاول قراءة ما يستهوينا نحن من كُتب، لا ما ينصحنا به الآخرون الذين قد يرون كتابا ما مناسبا لنا من وجهة نظرهم هم ولا يكون بالضرورة كذلك لنا، وحتى بعض الكتب التي تحتل المراتب العليا على رفوف المكتبات وتحظى بأعلى نسبة من المبيعات، قد لا تعجب البعض، فليكن قرارنا نابعا من داخل أنفسنا، خاصة أولئك الذين هم في بدايات مشوار القراءة، وبعد مدة من القراءة المتواصلة سيشعر القارئ بأنه أصبح ملتصقا بها، وأن تغييرا ما قد حصل في حياته.

ذلك أن القراءة تفتح أمام مدمنها أبوابا جديدة وجميلة من المعرفة وتغلق أخرى من الجهل والظلام، حياة أخرى تضاف إلى حياته -كما يقول أحد المفكرين– يستحيل أن يصل إليها بدون القراءة، وقد تبدأ حتى نظرته للحياة ولمن حوله في التغير، متساميا إلى كل ما هو معنوي، ومبتعدا عن سفاسف الأمور ومادياتها.

سَهَري لتنقيحِ العُلومِ ألذُّ لي    مِن وَصلِ غانيةٍ وطِيبِ عِناقِ

وتَمايُلي طَرَبًا لحلِّ عَويصَةٍ    في الدَّرسِ أشهى مِن مُدامَةِ ساقِ

وصَريرُ أقلامي على صَفَحاتِها    أحلى مِنَ الدَّوكاءِ والعُشَّاقِ

وألَذُّ مِن نَقرِ الفَتاةِ لدُفِّها    نَقْري لأُلقي الرَّملَ عن أوراقي

أأَبيتُ سَهرانَ الدُّجا وتَبيتُه    كسَلاً وتَبغي بعدَ ذاكَ لَحاقي؟

(ستغرق في القراءة كأنما أصابتك غيبوبة لا تفيق منها إلا مع آخر صفحة من الكتاب.) حكمة

يوسف الحسن

يوسف أحمد الحسن، كاتب في مجال الثقافة والسياسة والمعلوماتية، تخرج بشهادة هندسة حاسب من جامعة الملك فهد للبترول والمعادن، كتب في عدد من الصحف المحلية والعربية.

‫6 تعليقات

  1. مقاربة رائعة جداً ونصيحة في محلها
    شكرا لك وطاب قلمك

  2. شكرا لك اخي يوسف على تلك المقالات الجميلة والمفيدة عن الكتب والقراءه. دمت موفقا

  3. موضوع جميل و بقدر جماله سأطبقه حتى أكون حملت كلامي .. إعتقد انه يحب ان تسأل نفسك ماذا تعلمت و كم لبست مما قرأت
    هذا يؤكد لنا كيف نقرأ بإبداع و لان الكاتب مزج نهم القراءة بالفيروس المتحور فيبدوا انني سأقرأ حتى أتحور انا الأخر
    سلمت يداك مهندس يوسف فغذاء عقلي افضل من غذاء معدتي

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق