برجاء الانتظار جاري تحويلكم ...

 
مسبار

مهمة عملي الآسيوية

لحسن الحظ في 31 يوليو 2019، وقبل ظهور فايروس كورونا في مدينة ووهان الصينية، لفترة تزيد على أكثر من عام، أقفلت عائدا للظهران بعد إكمالي مهمة عمل خارجية استثنائية وماتعة في آسيا، في مقر الشركة الإقليمي في بكين بالصين، امتدت فترة تزيد على خمس سنوات ونصف، لتأسيس الشؤون والعلاقات العامة في الصين واليابان وكوريا الجنوبية وسنغافورة والهند.

لقد كانت مهمة عمل إثرائية بمعنى الكلمة، لما تضمنته من تحديات وتجارب ومواقف تراوحت وتنوعت ما بين الممتعة والمربكة إلى المضحكة أو المحرجة أحيانا، سواء على الصعيد العمل أو على صعيد علاقتي المختلفة الآن سواء بأفراد عائلتي وغيرهم.

وصلت بكين في بداية 2013، ومكتب الشركة في الصين في طور استكمال مراحل تأسيس إدارتها وأقسامها، التي كانت من بينها العلاقات العامة الشؤون الحكومية في الدول المذكورة آنفا، من أول وهلة، استوعبت أن بيئة وأنظمة وثقافة العمل في الصين يشوبها بعض الغموض والتعقيد، حيث يستعصى على القادم للتو للعمل فيها التمكن من الفهم بسرعة وسهولة، خاصة إن لم يكن يتحدث اللغة أو يحاول فهم قدر لا بأس به من الثقافة الصينية.

وأكثر ما استرعى انتباهي وأحرجني من بداية مهمة عملي حتى نهايتها، هو محاولة البعض فرض ثقافة العمل الغربية في محيط عمل صيني أو آسيوي، وبخاصة عند التعامل والاجتماع مع المسؤولين الصينيين الحكوميين والحديث معهم بلغة إنجليزية متكلفة، بلي اللسان والتقعر في نطق الكلمات والجمل على شاكلة أسلوب الممثل الفكاهي حبيب الحبيب «Where is my house? »

عموما، مضت الأيام والأسابيع والشهور الستة الأولى وأنا أمر بحالة انعدام وزن فكري مشوش ومضاعف، بالرغم من زيادة وزني! ومرد ذلك الارتباك أو التشوش هو أنه بقدر ما أنت بحاجة لفهم واستيعاب الثقافة والعادات الاجتماعية الصينية وأساليب العمل في تلك الدولة الاقتصادية الكبرى، يستلزم عليك في نفس الوقت الأخذ في الحسبان، مليا، ثقافة الدول الآسيوية الأخرى وتجنب إثارة حساسية تاريخية أو اجتماعية أو معاملة طرف على حساب الآخر حتى من دون قصد، سواء أثناء تأدية العمل أو حضور المناسبات الرسمية أو الاجتماعية.

وللتوضيح، اسمحوا لي مشاركتكم إحدى التجارب التي حدثت في محيط العمل، فبعد استقطاب عدد لا بأس به من موظفي العلاقات العامة والاتصالات في كل المكاتب، بدأنا بتطوير الاستراتيجية العامة للعلاقات العامة والاتصال لتغطي تلك الدول وربطها بالمشروعات المشتركة بالشركة، الواقعة في تلك الدول، أثناء الأعمال التحضيرية لتطوير تلك الاستراتيجية، جاءتني مكالمة من موظف يتمتع بخبرة في مجال العلاقات العامة في مكتب الشركة في طوكيو، باليابان، تحدث فيها بصوت خفيض بالكاد أسمعه، ولكن سرده لمحتوى المكالمة أشعرني كأنه مسجل مسبقا، فقال مستفسرا ومستنكرا «أين ستعقد ورش تطوير الاستراتيجية؟»  فأجبته «نقطة البداية ستكون في بكين» فرد على مباغتا قائلا «أرجو استبعاد زبائننا اليابانيين عند إجراء استبيانات الرأي الخاصة بالاستراتيجية، فأنا قلبا وقالبا ضد خطوة التواصل مع مسؤولينا وسؤال زبائننا عن أدائنا وكيفية تطويره، من العاصمة بكين» فرددت عليه قائلا «لا بأس فلنركن الاستبيانات جانبا، الآن، ونستكمل مراحل العمل الأخرى أو نعهد هذه المهمة لمكتبكم ليتواصل الياباني مع الياباني»

فدخلنا في نقاش طويل غطى تفاصيل التفاصيل لفترة تزيد على الساعة، محورها كيفية تحييد إجراءات تطوير الاستراتيجية وبرامجها، وضمان عدم إعطاء دولة ما مرتبة أو أهمية تفوق الأخرى، هذه الحساسيات المختبئة والظاهرة لدى اليابانيين تجاه الصينيين والعكس وكل الدول الآسيوية الأخرى فيما بعضها، مهما حاولت قولبتها في إطار عملي محترف بحت ومحايد، بعيدا، ووضعتها بمنأى عن أبعادها السياسية وتركتها التاريخية عند أداء العمل في تلك الدول، ستبقى متقدة وحية في وجدان وعقل تلك الشعوب، وخاصة في حضور الأطراف المعنية، فالحذر من الاستخفاف بها ولو بتعليق عابر وأنت تحتسي الشاي الأخضر معهم، على سبيل المثال.

وكذلك، مررت بمواقف وتجارب مثرية وتنبيهية خلال مشاركتي في تنظيم عقد منتديات استثمارية، أو إقامة أنشطة ثقافية، أو إطلاق مواقع الشركة الإلكترونية باللغة الصينية والكورية واليابانية وتطوير استراتيجية الشركة للمواطنة في آسيا أو تنظيم زيارات قادة الرأي لمقر الشركة في الظهران، أو تنظيم البرنامج التدريبي للتعرف ببيئة الأعمال والثقافة الآسيوية، عايشت من خلالها أمثلة حية شتى، أكدت لي بما لا يدع مجالا للشك أن شعوب الدول الآسيوية قد تكون متقاربة نوعا ما في المظهر الجسدي من ملامح الوجه ولون الشعر والطول، وخفة الوزن، وتشابه بعض أنواع الأطعمة أو الأطباق، وكذلك التزامها المفرط للتسلسل الهرمي للقيادة وحفظ ماء الوجه في العلن.

ولكنها مختلفة جذريا في الثقافة واللغة والتاريخ والعادات والتقاليد الاجتماعية وأساليب العمل، وتحرص على التأكيد للآخر بطريقة مباشرة وغير مباشرة على أهمية احترام هذا الاختلاف والتنوع، بما يرقى على أنه هوية مقدسة، عليه، يستوجب عدم الانسياق وراء التعميم المخل والمفتقد للكياسة والاحترام الذي يأتي على شاكلة التعميم «هاذول كلهم آسيويون وأشكالهم متشابهة، شف عيونهم أو  حتى أكلهم ما ينفع، انتبه تراهم صعبين في الفهم والعمل» وبخاصة في محيط العمل أو أثناء عقد الاجتماعات أو حضور المؤتمرات أو دعوات غداء أو عشاء العمل وما بعده، التي غالبا ما تكون المرتع الخصب الزلق للتفوه بزلات اللسان والهفوات وإطلاق النكات «المهايطية» التي قد تبدو مضحكة خفيفة في ذهن مطلقها الزائر أو المقيم، ولكنها في الواقع مزلزلة وثقيلة ومهينة عندما تصل آذان من يسمعها، وخاصة عندما تكون مضامينها تمس كرامة شعوب أو أمة أو بلد بأكمله أو تؤكد على صورة نمطية غربية سلبية تجاه تلك الشعوب الآسيوية، وهذا بالطبع سينعكس سلبا على فرص نجاح العمل مع تلك الدول المهمة اقتصاديا، التي من بينها الصين، ثاني أكبر اقتصاد في العالم.

الشعوب الآسيوية عموما تقدر من يحترمها ويبني معها صداقة أولا، لتبدأ معه العمل لاحقا.

وليد الهلال

وليد يوسف الهلال ، مستشار علاقات عامة ، وعمل سابقا مديرا لقسم النشر ورئيس تحرير جريدة القافلة الأسبوعية، وأسس أقسام العلاقات والشؤون العامة في شركات أرامكو في آسيا. خريج جامعة الملك فيصل السعودية، كاتب رأي

تعليق واحد

  1. مقال جميل وثري بالمعلومات عن الشرق الأقصى وصراع الحضارات هناك. زرت الصين عدة مرات واليابان أكثر ومؤخراً قضيت اكثر من 7 أشهر في اليابان. وفعلاً وجدت هذه الحساسية بين الصينيين واليابانيين بوضوح في التعامل والحديث عن بعضهم البعض.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق