برجاء الانتظار جاري تحويلكم ...

 
الصعود للعمق

ثقافاتٌ معتمةٌ

نشاهدُ على مواقع التواصل أعدادًا ضخمةً ومتجددةً من المسميات المبتكرة، والتي يتم تنشيطها واستخدامها من قبل أشخاصٍ قد يكونوا معلومين أو مجهولين، فلا تلبث تلك المسميات أن تصبح شهيرةً، لدرجة وصولها للشارع، وتعمقها في الثقافات العالمية، مثل ما شاهدناه مؤخرًا على مواقع التواصل، وخصوصًا في أوساط الثقافة الغربية، بمسمى «meme»، والتي تدل على وجود طرفة معتمة، مضحكة مبكية، يجد من يراقبها أنه يضحك بحسرة، على سوء ما فيها من ربط غير منطقي.

ولعل أصل كلمة «meme» محورة عما جاء في كتاب الفيلسوف، وعالم الحيوان الإنجليزي ريتشارد دوكينج «الجين الأناني»، والمنشور في «1976م»، حينما كان يبحث عن وصف لكلمة التقليد الثقافي، فقام باختيار الكلمة اليونانية «mimeme» والتي تعني التقليد أو المحاكاة، ثم قام باختصارها لكلمة «meme».

وعلى الإنترنت ينقل أحدهم صورة معينة تحمل التناقض المرير، ويُعَلّق عليها بطريقة سوداء، تثير الضحك، وفي الوقت نفسه يكون فيها الكثير من التناقض الفكري، والنفسي، والإنساني، والفلسفي، وقدر من التلاعب بالكلمات جوهريًا وظاهريًا، بغرض نشر الضحكة المعتمة.

ومثال على تلك الصور، أن صوّرَ أحدهم نعجةً نافقةً تسبح غارقةً في وسط البحر، وتظهره الصورة وهو يحاول دفع جثة النعجة للأمام، بعد أن كتب تحت الصورة: لا أعلم لماذا لا يعمل الدولفين الخاص بي!

وكان حظ هذه الصورة البائسة أن تتناقل بين شاشات التقنية الحديثة، وأن تبلغ أعدادًا عظيمة من المشاهدة، وأن ينالها الكثير من التعليقات المضحكة القريبة إلى عقلية هذا الجيل، الذي يبحث عن الضحكة، مهما بلغت أحزانها.

تفاعل إنساني عجيب مع تلك الصورة وأمثالها، من نوعية الكوميديا السوداء، والتي أطلق عليها في مواقع التواصل لفظ «meme»، فكأن من يراقبها ومن يعلق عليها يختبر نفسيته، ويعرض إنسانيته، وفكاهته، وغضبه، وتخيله وملله من مادية الحياة الحديثة من حوله، ومن معطيات ما يحدث فيها من هموم وأحزان عظيمة، وتناقض فكري، وضياع وسرقة للأحلام، في لمحة جعلتها نظرة البشر الحديثة لا تقابل إلا بالضحك الهستيري، مهما بلغ تناقض ما بها من حزن عظيم.

ومما لا شك فيه أننا في شرقنا الأوسط «التعيس» بما فيه من تردٍ، وحروبٍ وخوفٍ وهجرةٍ وإرهابٍ وقمعٍ أقربُ إلى ذلك الفكر، وأننا أفضل من يفهم حبكته الفكاهية، لأن العتامة بالبؤس تُذكر!

رأي : شاهر النهاري

s.alnahri@saudiopinion.org

شاهر النهاري

طبيب أخصائي طب الأسرة والمجتمع، يعمل في مدينة الملك فهد الطبية بالرياض مديراً للمشروع الطبي، زاول كتابة مقالات الرأي بعدة صحف كجريدة الشرق الأوسط - لندن، صحيفة الوطن السعودية، الجزيرة، الشرق ،مكة الورقية.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق