برجاء الانتظار جاري تحويلكم ...

 
نكز

أيُّكُم يقاسِمُني قَهوةَ المساءِ!

يمنحه فضاءُ التواصلِ الإلكتروني كتيبةَ أصدقاء منزوعة الخرائط والتخوم والتضاريس، ويغريه أن يحتال ليستزيد كتائب أخرى، يشرع له نوافذ الافتراض كلها، ويهشم القديم المحكم منها، ويختزل الدنيا طوع أنملة كسولة بوسعه أن يحيلها حنجرة بوح، وحكاية عشق، وتفاصيل حياة تتخلق في الضوء، لكنها تخفق أن تملأ مساحة خواء في الكرسي المقابل حيث يحسو قهوته وحيدًا كل مساء!

وهنا هزيمة فادحة للتقنية، تلك التي دافع بها الإنسان وحدته، وناجز بها وحشة جدرانه، وجهام الدنيا من حوله، وتوسل بها لصخب يؤثث العمر بالفرح والرفاق ومن يتوكأ القلب حضورهم لو تعثر به النبض يوما؛ فأقطعته الخيال مدنًا لا تتوجس حقائب المسافرين بينها، وجموع أصدقاء يمكن لكبوة التيار في أوردة الكهرباء أن تطفئهم جميعًا كالمصابيح الذابلة في الفجر!

ومنذ البدء ناضلَ الإنسانُ قفر الحياة، تمامًا مثلما ناضل جوعه، وظمأه، وعريه، والفناء الذي يترصده؛ فاستنبت من عوج الضلوع صحبة، واستكثر من الكبد فلذات، وجرب الحظوظ في الأصدقاء فأصاب وأخطأ. لكن شعورًا عميقًا بالوحدة ظل يسكنه، وظل الإنسان يراوغه، يقاتله حينًا ويستكثر لأجل حربه الأهل والعشيرة، ويهادنه حينًا، قبل أن تحصد الوحدة معركة حسمت منذ صرخة الميلاد، أنها تؤول للوحدة والوحشة في أفول العمر وانقضاء الحياة.

وظل شعور المرء بفردانيته طاغيًا، وتعمق في زحف السنين، وبقي يسير معاكسًا لكل ما يوغل به الإنسان في دروب التحضر، ومنجزات التقدم، حتى أوشك أن يبلغ ذروة اختناقه حين أثمرت المعجزة الإنسانية ثورة اختزلت القرية التي كانت العالم قديما في غرفة من زجاج لا يحسن أن يستتر فيها شيء أو أحد، حينها ظن الإنسان أنه يحسن والتقنية طوع يديه أن يهزم عزلته، فابتكر كل نافذة، وأقام للضوضاء مآدب تهتف بالأصدقاء، ومد للتواصل جسورًا، تعبر عليها في كل لحظة آلاف الخطى، وحشود من الأصدقاء؛ جميعهم لا يذهبون بخلاء الكرسي المقابل في مقهى المساء. وبقيت الأمنية القديمة عالقة في شغف الروح؛ فقط «تسعة أصدقاء وحبيبة واحدة» !

رأي محمد الراشدي

m.alrashdi@saudiopinion.org

محمد الراشدي

قاص وناقد صدر له عدد من المطبوعات منها "احتضاري"، مجموعة قصصية , " شهد على حد موس"، مقاربات في الثقافة والأدب , "أيقونة الرمل" مقاربات نقدية في تجربة الشاعر محمد الثبيتي , "نكز"، نصوص ساخرة , "العقرب"، مجموعة قصصية. حائز على عدد من الجوائز منها جائزة أبها الثقافية في القصة القصيرة عام 1435 , جائزة سوق عكاظ الدولية للسرد العربي، في القصة ،1438, جائزة أدبي حائل للقصة القصيرة، 1439, كتب في عدد من الصحف الورقية .

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق