برجاء الانتظار جاري تحويلكم ...

 
بعض الاقاويل

العلمُ والإيمانُ.. عَوْدٌ على بَدْء!

سألني عن أفضل تكييف للعلاقة بين العلم والدين، فقلتُ خُذْ مثلًا نهاية الكون، فأقوى القوانين الفيزيائية استقرارًا وإجماعًا بين العلماء وهو القانون الثاني لـ«الديناميكا الحرارية» يفيد بالموت الحراري للكون تدريجيا، حيث يبرد وتتعادل حرارته ويتلاشى. في الوقت نفسه يفيد الإيمان بنهاية الكون كما هو معروف حيث حياة أخرى. يلتقي العلم والدين عند حتمية النهاية ويختلفان في الآلية، فالعلمُ يقول بالموت البطيء والله تعالى يقول عن النهاية «لا تأتيكم إلا بغتة» قلت: لو استطعت بناء تصور يجمع بينهما ستغير طريقة تفكيرك وما رميت إليه.

كان صاحبي السائل مولعًا بالخيال العلمي وأصبح ذلك الخيال عنده «حالة وجودية» لا تحريضًا على التفكير والإبداع وهذا انزلاق يشبه محاولات بعض الفلاسفة سحب ناتج العلوم الطبيعية على مجال الاجتماع وتأسيس «فيزياء اجتماعية» حتى جاءت «الداروينية» فأضحت العقيدة الجديدة.

هذه مشكلةٌ واحدةٌ من مشكلاتنا مع العلم وهي التأويلُ الفلسفيُ للعلم نظرًا لغياب الطرح المعالج للمسألة الوجودية والتصور عن الحياة والكون في خطابنا الثقافي الإسلامي المعاصر المسكون بتجليات نماذجنا المغلقة، والتي انغلق معها تفكيرنا ولم نعد نتجاوز حدودها.

المشكلة الأخرى وهي في الاتجاه المضاد، وتتعلق بتسطيح العلم والتهكم به وتوظيفه لصالح أجندة ضيقة، خُذْ مثلا «الفشل التنموي» في بعض المشروعات والخدمات، ذاك الفشل هو علمي بامتياز بعيدًا عن فكرة فساد الذمم والتي ضخمت على حساب فساد التأهيل، ولعل المجال الطبي والهندسي مثالٌ صارخٌ هنا.

المشكلةُ الثالثةُ، تأزيمُ العلم وجعله محور صراع عبر قنوات الحراك الفكري، ولعل الطفولة الثقافية التي تعاني منها بعض النخب الفكرية عبر التصنيف ورفع صفة العلم عن المنتج الديني وعمل مقارنات غير سائغة تنتهي بإسقاط الشخوص والجهود لتقابلها ردود غير ناضجة تقزم المنتج العلمي المادي، وليغيب وعي الأجيال وتستلب همتهم في الشتات.

التصورُ الوجوديُ الكونيُ إيمانٌ، والفاعليةُ التنمويةُ إيمانٌ، والنزعُ للسلام بين أطياف المجتمع إيمانٌ. كلُ ذلك يأتي بالعلم أو يحرس العلم أو يحرسه العلم، فمتى نرى مؤسساتنا العلمية حاضرة مبادرة في هذا الشأن؟

رأي : طارق العرادي

t.alarady@saudiopinion.org

طارق العرادي

طــارق علي العرادي البلوي، استشاري باطنية, يدير حالياً مستشفى الملك فهد التخصصي بتبوك، عضو عدد من الهيئات الصحية والطبية وكذلك جمعيات طبية خيرية ، كاتب رأي في صحيفة الشرق ، والعديد من المواقع الالكترونية .

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق