برجاء الانتظار جاري تحويلكم ...

 
انطلاق

صناعةُ العُزلة

أخبرني أحدُهم حين كُنتُ مراهقةً أن من عذاب أهل النار أنهم لا يرون ولا يسمعون أحدًا غيرهم يتعذّب في جهنّم، ولا يعلمون ما إذا كانوا وحدهم هناك أم لا. دينيًا لا أعرف صحة هذه المعلومة ولا الأحاديث الصحيحة التي تدعمها، إلا أنها التصقت في ذهني جنبًا إلى جنب مع المثل الشعبي الذي يقول «الجنة بدون ناس ما تنداس»

يصف الروائي «خوسيه مياس» في رواية «هكذا كانت الوحدة» هذا الشعور بعد وفاة والدة بطلته «إيلينا» بقوله: «القبول بأنني لا أنتمي لأحد ولا لشيء ولا ثمّة شيء ينتمي إليّ قلّل هذا من شأني وجعله مثل شأن شبح ما، هذه يجب أن تكون الوحدة التي تكلمنا وقرأنا عنها كثيرًا دون أن نصل حتى إلى معرفة ماذا كانت أبعادها الأخلاقية».

ويستطرد في الوصف: «حسنا؛ الوحدةُ.. أن تجد نفسك فجأةً في العالم كما لو أنك قد انتهيت لتوِّك من المجيء من كوكب آخر لا تعرف لماذا طردت منه، سمحوا لك بإحضار شيئين يجب أن تحملهما على عاتقك كلعنة ما، حتى تجد مكانًا تصلح فيه حياتك انطلاقًا من تلك الأشياء والذاكرة المشوشة عن العالم الذي أتيت منه. الوحدةُ هي عمليةُ بترٍ ما غير مرئية ولكنها فعّالةٌ جدًا كما لو كانوا ينزعون عنك البصر والسمع، هكذا هو الأمر، في معزل عن كل الحواس».

لقد عرفتُ أن الوحدةَ هي عذابٌ بشريٌ فوق الاحتمال، ولذلك كان النفي والحبس بمعزل عن الناس عقابًا للمجرمين عبر التاريخ. إنهم يتنفسّون ويأكلون ويشربون ويفكّرون لكن كل ذلك يتمّ بمعزل عمّن يحبون لذا لا قيمة له.

مؤخرًا بات هناك اتجاهٌ حديثٌ نحو صناعة الوحدة والانعزالية، لا تنفكّ وسائل التواصل الاجتماعي تذكرك أنك سيّد نفسك ولستَ بحاجة إلى مشاركة الآخرين حياتك، وقد امتدّت هذه الحملة حتى شملت تقويض المؤسسات الاجتماعية المصغّرة كالعائلة من خلال التحريض على الخروج عن طوع الوالدين والتقليل من شأن الزواج والتخويف من الارتباط.

تدخل ملفات تعريف الأشخاص على «تويتر» فتفاجئك كلمات مثل «أنا قوية وحدي، اتركوني وشأني، سعادتي في عزلتي» وغيرها الكثير مما يبدو وكأنه شخص في تحدٍ مع العالم ومستعد للتخلّي. وهذا مما يخالف الفطرة السليمة التي قال عنها ابن خلدون في مقدمته الشهيرة «الإنسانُ اجتماعيٌ بطبعه» أي أنه فُطر على الانتماء لجماعة وحب المشاركة مع الآخرين.

نعم لحظات الانعزال الاختيارية القصيرة مهمّة لكنها ليست أسلوب حياة ولا مطلب لينادي به القاصي والداني ويحشرونه في عقول الآخرين.

رأي: بشرى الأحمدي

b.alahmaddi@saudiopinion.org

بشرى الأحمدي

عضو هيئة تدريس جامعة طيبة, متخصصة في طرق تدريس اللغة الإنجليزية, مؤسسة نادي القراءة "٢٣ أبريل" لفتيات المدينة, شاركت في العديد من الندوات في جامعة طيبة والنادي الأدبي, عضو نادي "رواق" الأدبي التابع لجمعية الثقافة والفنون, حاصلة على الرخصة الدولية للعمل التطوعي. كاتبة ومؤلفة صدر لها كتاب عن دار مركز الأدب العربي, نشرت عدة مقالات في عدد من الصحف.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق