برجاء الانتظار جاري تحويلكم ...

 
بين الضفتين

الفرقُ بين الوعي والاطلاع!

هناك فرقٌ كبيرٌ بين أن يكون المرءُ قارئًا وبين أن يكون واعيًا، لأن القراءة بحد ذاتها ليست السبيلَ الوحيدَ لبلوغ مرحلة الوعي، والتي تتطلب استقلالًا فكريًا يقودُنا غالبًا إلى التأني والتريث في إصدار الأحكام وعدم الانسياق خلف الآراء والأفكار المقولبة في ثقافة القطيع.

للأسف، إن هذه الثقافة يسقط في شراكها أعدادٌ ليست بالهينة ممن تتصدر أسماؤهم وسائل التواصل الاجتماعي، لاعتمادهم الكبير على ما يقرؤونه كمعلومة، لا كمحفز للبحث والتفكير من أجل توسعة المدارك وتنمية القدرات العقلية في الاستنتاج والتحليل، متجاهلين الأبعاد التي قد تتضمنها الفكرة الأساسية للكتاب أو البحث الذي يستقون منه المعلومة، بعيدًا عن السياقات التاريخية والثقافية المتعلقة بالأفكار والآراء الواردة بين دفتي الكتاب، والتي يزيد الإلمام بها من متعة القراءة المتعمقة.

ولا جدال بأن القراءة مصدرٌ مهمٌ لزيادة الوعي وتشكيله بالصورة المرضية ولو في حدودها الدنيا، بيد أن التعاطي مع المادة المقروءة يلعب دورًا أهم بكثير من فعل القراءة بحد ذاته. إذا كان الهدف من القراءة زيادة الحصيلة المعلوماتية على حساب العمق المعرفي لفهم الجوانب المختلفة للقضايا والإشكالات المعاصرة، فهي قراءة سطحية لا تساهم بأي حال من الأحوال في زيادة الوعي، وإنما تجعل القارئ يملك كمًّا هائلًا من المعلومات التي لا يحسن توظيفها في حواراته مع الآخرين، بحيث يبدو أمام الآخرين مجرد ناقل للمعلومات أو على أحسن تقدير «مطلع» ليس لديه القدرة الكافية على تكوين رأي مستقل بناء على فهمه وتعمقه في مسألة ما، بل نجده في أغلب الأوقات يميل إلى استعراض ما لديه من معلومات قد تكون صادمة بالنسبة للبعض بهدف شد انتباههم، معتقدًا بأنه بهذا الفعل يمارس التنوير ويرفع من سقف الوعي لدى الآخرين، بينما أن الوعي هو أن يدرك المرء أبعاد ما يقرأه من أفكار وأطروحات كي يفهم حقائق الواقع الذي يعيش فيه.

رأي: عيد الظفيري

e.aldhafeeri@saudiopinion.org

عيد الظفيري

عيد الظفيري , دبلوماسي ومترجم يعمل بوزارة الخارجية ، ماجستير في التحليل السياسي ، دبلوم عالي في الدراسات الدبلوماسية ، عضو سابق في الجمعية العلمية السعودية للغات والترجمة ، كاتب رأي في العديد من الصحف والمجلات والمواقع الالكترونية .

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق