برجاء الانتظار جاري تحويلكم ...

 
قهوة السابعة

«الفعلُ الكتابيُ» بينَ الطينِ والتقنيةِ

تأتي اللغةُ كاشفةً لما يعتمل داخل النفس، بالرغم من حرصها على تجهيله أو التحكم في إخفائه، وما الكتابة على الجدران إلا دليل انتصار اللغة كقوة كتابية أو رمزية تتخطى حواجز الخوف والكبت، معلنةً عما يشعر به كاتبها من حزنٍ، أو فرحٍ، أو سخطٍ، أو تيهٍ.

ولطالما أدهشتنا نصوص – وثقها المصورون وحفظوها – بالغة الإيجاز، عميقة المعنى تحلق بأمنية أو تسخط من ظلم ما جعلنا نقف باحثين عن ماهية هوية كاتبها ودوافعه.

حتما، إن وراء الأمر «رسالة» ترفض أن تكون سجينة صدر الكاتب، فتبحث لها عن متنفس للخروج تحت مظلة التستر، مراعية عند الظهور البعد «الأزمكي» ليأتي مقتضى الكلام مطابقًا لحاله ودالًا على وجوديته، وموصلًا كتاباته ورسوماته للشخص المعني، أو ربما للمجتمع ذاته.

تقف الأزمات العاطفية غالبًا وراء معظم الكتابات الجدارية، ويعول الدارسون ذلك نتيجة وجود الكتّاب والذين غالبية مرحلتهم العمرية من المراهقين من سن الثانية عشرة إلى الثامنة عشرة،  في مجتمع محافظ يرفض تصريحهم واعترافهم بما يشعرون به من عاطفة تجاه أحد ما، كما ساهم القلق السياسي والفكري في دفع المراهق على التعبير بعبارات مقتضبة تدل على اضطرابه وتوتره، أما البعض الآخر فقد عبر عن صراع جيله مع الأجيال.

إن كل حرف أو نقش أو رسم على جدار أو على ظهر مقعد أو حتى في حمام! سواء كان يقطر عذوبةً وجمالًا أو ينضح قذارةً، ما هو إلا إرهاصة فكر وقلب كاتبه، وقد تقلصت الكتابة على الجدران وكادت أن تختفي، ولكن هل تناقصها واختفاؤها دليلٌ على تشافي كتابها من أزماتهم؟ المؤكد أن «التشافي» بمعناه لم يحصل، ولكن الانتقال للكتابة على الحوائط الإلكترونية وفر لهم متنفسًا تقنيًا يكفل لهم التعبير دون معرفة هويتهم؛ معنى هذا ارتحالهم بكامل أزماتهم وقلقهم للفضاء الإلكتروني وقد انسلخوا من هويتهم الحقيقية، وابتدعوا «ألويةً» خاصة تحمل توقيعًا يجتمع تحته الأشباه.

المقصود: إن الدوافع التي تجعل الكاتب يكتب مختفيًا خلف حائط طيني أو إلكتروني، هي الجديرة بالدراسة من أجل نجاة تلك الفئة من براثن الضياع والانحلال، فالكتابة فعلٌ يدل على هوية المجتمع وإن غابت هوية الشخص.

رأي: فاطمة اليعيش

f.alyaeesh@saudiopinion.org

فاطمة اليعيش

فاطمة اليعيش , حاصلة على الاجازة الاكاديمية في مجال التربية , مهتمة في التمية وتطوير الذات , عملت في وزارة التعليم وشاركت في العديد من الدورات والورش المتخصصة في مجال الصحافة والتربية والتعليم , لها العديد من المساهمات في مجال الاختبارات والقياس , كتبت في عدد من الصحف منها صحيفة اليوم و الشرق

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق