برجاء الانتظار جاري تحويلكم ...

 
نكز

«المثقف والرقيب» لعبةٌ مملةٌ!

على ضفاف معارض الكتب، تثور على الدوام إشكالات وصراعات تتعلق بحظر الكتب، ومنعها من التداول؛ لأسباب لا يمعن الرقيب عادة في شرحها، ولا يكف المثقف، أو المؤلف، أو حتى القارئ؛ عن مناكفتها ورفضها. والمسألة في تقديري لم تعد أكثر من موروث بليد، ولعبة من كلاسيكيات الصراع بين المثقف والرقابة؛ إلا أنها لعبة تتجدد لذتها، ولا يريد لها أي من طرفي الصراع فيها أن تنتهي.

فمن خلال هذه اللعبة يريد المثقف دائمًا ري غروره، وإرضاء نرجستيه بالقول: إنه قادر رغم تواضع إمكاناته على مشاكسة الرقابة ومشاغبتها واستفزازها إلى الحد الذي يحملها على أن تترصده وتعاقب شغبه بحظر كتبه ونتاج حبره.

في كثير من هذه الحالات يريد المثقف شيئًا من «البروباجندا» التي تحقق له رواجًا يعلم يقينًا أنه لا يبلغه دون رافعة من «حظر» أو مصادرة، ولأجل ذلك يعيش بعض المثقفين حالة من «تسول» الصراع أو المنع يبلغ بها ما لا يبلغه بحبره أو فكره «إن وجد».

وعلى الطرف الآخر من «اللعبة» تريد الرقابة التأكيد بصفة مستمرة على وجودها، ويقظتها التي تبلغ حداً يمكن لها معه أن تقتنص جملة مررها كاتب هنا، أو مجازاً خبأه شاعر هناك، وهي كذلك تريد التأكيد – إلى جانب النباهة – على مسألة العقاب، التي تتجسد في المنع والحظر والمصادرة بسبب، وأحيانًا بغير أسباب كما يليق بالقوي اليقظ.

و«اللعبة» تقوم على افتراضات رثة وخاطئة عند كل من المثقف والرقيب؛ إذ الرقيب يفترض أن الحجب يعني بالضرورة الإلغاء المفضي إلى الأمان، وتحقيق مفهوم الوصاية وأوهام الحراسة. بينما المثقف يربط المسألة بمفاهيم المظلومية والتسلط، ويجرها إلى دوائر الكبت والانغلاق. ويعمق الفجوة بين هذا وذاك حوار «الطرشان» الذي ينشأ عادة عند نشوب هذه الصراعات؛ إذ لا يصغي أحد إلى أحد فيتشبث هذا بـ«فرمانات» المنع والإلغاء، ويطير هذا بشكوى المظلومية والقهر.

ورغم قدم «اللعبة» وتجددها ومحاولة ربطها بقيم الثقافة والحرية ومنظومة القيم الاجتماعية بمناسبة وبغير مناسبة؛ إلا أن القارئ الحصيف في نهاية الأمر ليس معنيًا بكل هذا السجال وتلك الصراعات؛ ففي زمن الفضاءات المفتوحة لم يعد ثمة محظور أو ممنوع أو شيء لا يمكن الوصول إليه، وما تغلق دونه أبواب الأرض تأتي به نوافذ السماء الرحبة، وتلك الصراعات بات أكثرها مجرد لغط تستنزف متابعته والإصغاء إلى تفاصيله الوقت، ويستثمره الخواء ليوسع دوائر حضوره وهيمنته، ويحقق أقطابه من خلاله وجودًا مؤقتًا لا يبقى في ذاكرة الوعي الجاد منه شيءٌ يستحق الذكر.

وبطبيعة الحال فهذا لا يلغي حقيقة الرقيب، وتعسفه، واضطراب معاييره وازدواجيتها، وانتفاء الموضوعية والوعي الحقيقي في كثير من ممارساته، لكنه في المقابل لا يقيم مجرد مشاغبة الرقابة ومماحكة الرقيب وافتعال الخصومات؛ معايير للقراءة الحقيقية المثمرة، والفعل الثقافي المتجاوز، والكتب التي تستحق ضوء العيون وأجمل الوقت.

رأي: محمد الراشدي

m.alrashdi@saudiopinion.org

محمد الراشدي

قاص وناقد صدر له عدد من المطبوعات منها "احتضاري"، مجموعة قصصية , " شهد على حد موس"، مقاربات في الثقافة والأدب , "أيقونة الرمل" مقاربات نقدية في تجربة الشاعر محمد الثبيتي , "نكز"، نصوص ساخرة , "العقرب"، مجموعة قصصية. حائز على عدد من الجوائز منها جائزة أبها الثقافية في القصة القصيرة عام 1435 , جائزة سوق عكاظ الدولية للسرد العربي، في القصة ،1438, جائزة أدبي حائل للقصة القصيرة، 1439, كتب في عدد من الصحف الورقية .

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق