برجاء الانتظار جاري تحويلكم ...

 
الصعود للعمق

«حَبَّك بُرص»

ثقافات جديدة غيرت من طعمنا ولوننا ومشاعرنا، بحيث يفترض زورًا أن من يستخدمها يعتبر في منتهى الرقي، وأنه متسامح منفتح على الآخر، وأنه قمةٌ في الذوق ورائعٌ في تكوين الصداقات، ولكنه واقع يهز بنيان الحب الحقيقي الحميم العزيز النقي النادر، ويجعله رخيصًا يعطى لمن لا يستحقه.

يقابلك من لا تعرف عنه الكثير، ولم تتلمس حدود شخصيته، ولم ترافقه يومًا، ويفاجئك بأن ينادي عليك: حبيبي! وأن يقول لك مؤكدًا إذا أعجبه كلامك: حبيبي والله. وأن يزيد بنفس قوة دهشتك: يا حبني فيك! كل ذلك ودون أي مناسبة، ومن غير مقدمات، فكأنه يخرج قلبك من جوفك، ويدوس عليه بأقدام سخافته، مؤكدًا على أن محبتك رخيصة.

أنا لست ضد إشاعة المودة، ولست معقدًا، ولكني أُفضِّل أن أستخدم كلمة الحب العزيزة لمن يستاهلها، ومن يستحق استحلال عرش مشاعري، ولمن أعرفه جيدًا، وأتوق لرؤيته، وأثق بجميع معطياته وتاريخه، ونواياه، ووقفاته، وأعرف أنه يستحل معظم فراغ أوقاتي، ويمون على دخول قلبي متى شاء، وأموت أنا قهرًا لو ترك سكناه الدافئة بين أضلعي.

أما ذلك، الذي لا أعرفه مطلقًا، أو أنه ربما شاركني مجموعة «واتس آب» لم أشعر به فيها، أو أنه قد رآني مرة عند زميل مشترك، أو جاور كرسيه كرسي جلوسي بالطائرة، التي كنت معلقًا فيها بحزامي يومًا، فلا أعتقد أني حبيبه، ولا أظن أن لديه من المعطيات العقلية المحسوسة ما يكفي لأفرح بكلمته التي يلقيها في غير موضعها، ويتركني أحاول المزج بينها وبينه، ولا أتمكن.

ذلك الشخص عندما يقول لي: يا حبيبي، يشعرني بأنه يصفعني على وجهي، بقبضة من حديد، يرتديها بطل أفلام كرتون خارق، تفقدني رؤيتي، وتنتزعني عن مكاني، فأكاد ساعتها ألا أتمالك نفسي، وأتوق لأن أجاوبه: حبك «برص» وعشرة خرس. ولكني أتذكر حقوق الحيوان، حتى ولو كان من نوع السحالي، فلا أتمكن من إهانة البرص، ولا أحطم حقوق ذوي الاحتياجات الخاصة، من أهل الهمم، بتسميتهم بالخرس.

رجاء دعوا كلمة حبيبي بعيدًا عن علاقات مواقع التواصل، وعن علاقات المصادفة الصورية، والمعرفة اللحظية، لتظل كلمة «حبيبي» فوق عرشها محببة، تخص فقط من يسكن قلبي، وأطلقوا على علاقاتنا السهلة الممجوجة كلمات مثل: عزيزي، زميلي، أخي، حتى لا يصاب قلبي بداء الرز «نصف المستوي» والذي يهدد الأحشاء بانفجار.

رأي: شاهر النهاري

s.alnahri@saudiopinion.org

شاهر النهاري

طبيب أخصائي طب الأسرة والمجتمع، يعمل في مدينة الملك فهد الطبية بالرياض مديراً للمشروع الطبي، زاول كتابة مقالات الرأي بعدة صحف كجريدة الشرق الأوسط - لندن، صحيفة الوطن السعودية، الجزيرة، الشرق ،مكة الورقية.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق