برجاء الانتظار جاري تحويلكم ...

 
حنين

حقُ الفتيا

الفتيا في المسائل والإشكالات هي إبداءُ الرأي والحكم، قانونية أو شرعية أو طبية أو أي مجال آخر. الطبيب مثلا يفتي في علل الجسم وتشخيصها وعلاجها.

فمن يحق له أن يفتي؟ وإلى أي مدى ينبغي للحكومة التدخل لضبط الفتيا؟

إذا أبديت رأيك في مسألة متخصصة، انتقدوك وقالوا أنت من «العامة» لا يحق لك التفلسف في هذا المجال، فقط «الخاصة» يحق لهم. ولكل مجال خاصته. سينتهي بنا الحال نحن الناس «العاديين» ألا نتحدث برأينا أبدًا فقط نكرر كلام «الخاصة» كالببغاوات. ولو أردنا التفلسف سنتفلسف فقط في الطبخ. حتى حديثنا عن الطبخ قد يزعج الطباخين ويثير قلق خبراء التغذية.

إذًا ما هو الحل؟ هل يعقل أن نرضخ ونتنازل عن آرائنا وأفكارنا الذهبية ونصمت؟ أم نفتح الباب للجميع أن يتحدث ويعبر «خاصة وعامة».

ماذا لو كانت هذه الآراء في قضايا حساسة قد تتسبب في ضرر عام. سنأخذ مثالًا قضية ارتباط التطعيم بالتوحد، التي تثار في المجتمعات بين الفينة والأخرى.

لنفترض أن الأطباء المتخصصين الباحثين اجتمعوا وقرروا أن لا علاقة مثبتة بين التطعيم والتوحد، وأن كل ما يثار في هذا الجانب مجرد شائعات – شائعة ارتباط التطعيم بالتوحد انتشرت في أوساط الآباء وتسببت في قلق عظيم. وقد نفى الأطباء ذلك، وفرضت الدولة عقوبات على من يمتنع عن تطعيم أبنائه – فلنفترض أنني – غير المتخصصة – جلست في مجلس مع صديقاتي وجزمت بأن التطعيم يسبب التوحد، هل ينبغي على الحكومة التدخل وإسكاتي؟ طبعا لا، لأن تأثيري بسيط جدًا لا يستحق تكلفة بنزين الدورية التي ستقبض عليَّ. لكن لو كنت مشهورةً ولدى ملايين المتابعين، كيف سيختلف الوضع؟

ولو كنت مشهورةً وطبيبةً متخصصةً وبدأت الخروج في وسائل التواصل الاجتماعي وأجزم بأن التطعيم يسبب التوحد. هنا سيقول البعض إنه على الحكومة أن تتدخل وتسكت طبيب مواقع التواصل الاجتماعي، لأنه تسبب في ضرر وقلق بالمجتمع.

يأتي الإشكال هنا في جانبين، الأول أن لغة جزم طبيب مواقع التواصل الاجتماعي قوية «التطعيم يسبب التوحد وهذا هو الدليل» تقابلها لغةٌ رصينةٌ حذرةٌ لكنها ليست جازمة من الأطباء النافين للعلاقة «لم تثبت حتى الآن أي علاقة للتطعيم بالتوحد» لغتهم غير جازمة وغير قوية لكنها رصينة، وهذه الرصانة تأتي من خلال أصول البحث العلمي. يملك طبيب مواقع التواصل الاجتماعي لغة جازمة نابعة من جهله، حيث إنه لا يمكن أن تكون العلاقة مثبتة لهذه الدرجة.

في المحصلة، لغة الطبيب الجاهل ستكون مؤثرة أكثر من لغة الطبيب الباحث. الناس قد لا تميز الفرق بين اللغتين وقد تفسرها بأن الطبيب الباحث لديه شك ويزيد القلق.

هل تتدخل الحكومة لإسكات الطبيب الجاهل؟ لو تدخلت ستصبح “حكومة أم” nanny state، ومن باب أولى تتدخل وتمنع التدخين الثابت ضرره100  في المائة، الموضوع جد محير.

رأي: سعاد العريفي

s.aloraiffi@saudiopinion.org

سعاد العريفي

سعاد سليمان العريفي، أستاذ مساعد، قسم نظم المعلومات، كلية الحاسبات وتقنية المعلومات، جامعة الملك عبدالعزيز حصلت على درجة الدكتوراه في أمن المعلومات تخصص أمن الحوسبة السحابية من كلية رويل هولوي، جامعة لندن في بريطانيا، سبق لها الكتابة في عدد من الصحف السعودية.

تعليق واحد

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق