برجاء الانتظار جاري تحويلكم ...

 
نكز

اللغةُ العربيةُ «الباب النكد»

ذات يوم من أيام الدراسة الجامعية قال لي أحد أساتذتي وهو يمحضني النصح – وليتني أطعت: تخصص اللغة العربية ليس له إلا هذا «الباب النكد» باب التدريس.

ثم مضت الأيام وفارقت أستاذي، وغادرت أيام الجامعة، ودخلت من ذلك الباب، وعلمت -حين العلم لا يجدي الفتى- أن «النكد» لفظ مخفف جدًا، وشديد اللطف؛ إذا قيس بواقع تخصص اللغة العربية في التعليم، بعد أن جربت فيه كل المواقع بين التدريس والأنشطة والإشراف؛ فألفيته كالنار ليس فيها موضع بارد ولا رحيم.

وأول أعباء هذا التخصص في مدارسنا نصابه من الحصص الذي لا يتطرق إليه النقص ولا تأخذه في صاحبه شفقة؛ فهو على الدوام مكتمل قابل للزيادة والزيادة فقط، وصاحبه يقضي سحابة يومه يهذي: فاعل ومفعول، ومهمته أن يرقب كل لسان ليتثبت إن كان يحسن توزيع الحركات على الحروف.

وليس النصاب وحده مصيبة أهل اللغة في مدارسنا، إنما الأنصبة تتبعها أثقال تنوء بها العصبة ويحملها معلم اللغة العربية من كل باب في الأنشطة التي تتوزع وتتنوع فيها عذاباته، بين إذاعة وإلقاء ومسابقات واختبارات وقراءات وكتابات وتدريبات وكل ما هو آت آت.

ووراء ذلك، فمعلم اللغة العربية «مأكول مذموم» لا يعلم متى تخاتله الملامة، أو يحط على رأسه العتاب والمساءلة، فكل منطوق أو مكتوب في محيط مدرسته تناط مسؤوليته في رأسه، حين يرفع جاهل منصوبًا هنا أو ينصب مرفوعًا هناك، ثم يتفاصح أحدهم قائلا: وأين معلم اللغة العربية؟

والذين يجربون التفلت من «سعير» تدريس اللغة بواقعها الحالي في مدارسنا، إلى ملاذات الإشراف التربوي، يعرفون لاحقًا معنى المستجير من النار بالنار؛ فإشراف اللغة العربية لا يعني أكثر من أن يعيد المعلم جهد مدرسة واحدة في مدارس شتى، مع «أكفال» جديدة من التصحيح والمتابعة والمناظرات اليومية التي تشبه «مناظرات سقراط مع أهل أثينا» يخوضها المشرف مع معلمي تخصصه يعرف فيها حقيقة «الجدل البيزنطي» وعلم الكلام، فضلا عن «غثاثة» بعض القائمين على العمل الإداري في بعض قطاعات التعليم.

باختصار.. واقع تخصص اللغة العربية في مدارس التعليم العام واقعٌ شاقٌ ومرهقٌ ومنفرٌ؛ يحتاج إعادة نظر وتوزيع للمهام، رغم قدم المشكلة وتجذرها منذ أيام القائل:

وأكاد أبعث سيبويه من البلى

وذويه من أهل القرون اﻷولى

فأرى حمارا بعد ذلك كله

رفع المضاف إليه والمفعولا

يامن يريد الانتحار وجدته

إن المعلم لا يعيش طويلا

رأي: محمد الراشدي

M.alrashdi@saudiopinion.org

محمد الراشدي

قاص وناقد صدر له عدد من المطبوعات منها "احتضاري"، مجموعة قصصية , " شهد على حد موس"، مقاربات في الثقافة والأدب , "أيقونة الرمل" مقاربات نقدية في تجربة الشاعر محمد الثبيتي , "نكز"، نصوص ساخرة , "العقرب"، مجموعة قصصية. حائز على عدد من الجوائز منها جائزة أبها الثقافية في القصة القصيرة عام 1435 , جائزة سوق عكاظ الدولية للسرد العربي، في القصة ،1438, جائزة أدبي حائل للقصة القصيرة، 1439, كتب في عدد من الصحف الورقية .

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق