برجاء الانتظار جاري تحويلكم ...

 
فضاءات

المناضل الانتقائي

‏قد يكون واحداً من أسوأ ما لوّث التاريخ الإنساني –برأيي- هو تداخل المبادئ الإنسانية بالدوافع الفردية الأنانية، وذلك حين تتمازج الغنيمة والمكاسب الشخصية على حدتها بالفضيلة ومظاهر الصالح العام في الضفة الأخرى.‏ وعدد كبير من المحاربين تحت ألوية فكرية وإنسانية واجتماعية معينة وعلى مر التاريخ, لم يدفعهم لتبنى حروبهم هذه سوى حاجات اجتماعية شخصية أو عقد نفسية شخصية أيضًا. 

والأسوأ من بين هؤلاء جميعاً هو المناضل الانتقائي والانتهازي. الذي يطرح جميع القضايا على طاولة مزاجه، ثم يعمل على فرزها وتقسيمها بحسب ظروفه الشخصية وبحسب دوافعه ومخاوفه ومصالحه، ثم يقوم -بناء على كل هذه المعطيات- على اختيار قضاياه الخاصة ليصبح مناضلًا تحت لوائها. هو كذب يمارسه المناضل باقتدار.

ومن بين فئة المناضلين الانتقائيين والانتهازيين توجد مجموعة ليست بذاك الذكاء الذي تستطيع معه الفصل ما بين الانتهازية والمصداقية مع الذات. فهي تقوم بإسقاط أهوائها ورغباتها وعقدها النفسية على قضايا معينة وتخلق من خلالها نضالًا وهميًا تعتقد أنها تمارسه فعلا، هو أقرب ما يكون لحرب الطواحين. تتوهم النضال فقط لتشعر بالرضا عن ذاتها.

يا ترى لو أعدنا تحليل وتشريح حيثيات وظروف النضال والمناضلين الذين خلدهم تاريخنا الإنساني أو هؤلاء الذين لا يزالون يعيشون بين ظهرانينا، كم سنجد من بين هؤلاء المناضلين الذين لطالما أحببناهم ممن تنطبق عليه صفات المناضل الإنتقائي؟ كم هي نسبة الكاذبين والمرتزقة والوصوليين من بينهم؟ ولماذا لم يكتشفهم الناس ولم يعريّهم التاريخ؟ هل لأنهم أذكياء كما يجب أم لأننا نحبهم؟ نحب وجودهم في مخيلتنا. نحب «أيقونة» الخير والجمال والقوة الفاضلة التي يصنعونها لنا، وإن كانت مجرد أسطورة جميلة نحاول حمايتها من خدش الحقيقة؟

رأي: تركي رويّع

t.alruwaili@saudiopinion.org

تركي رويّع

تركي رويع الرويلي، مواليد منطقة الجوف ، بكالوريوس هندسة ميكانيكية في جامعة الملك فهد للبترول والمعادن، يعمل في الشركة السعودية للكهرباء مستشاراً للسلامة والصحة المهنية ، كاتب رأي سابق في صحيفة الشرق السعودية، وله العديد من الكتابات في المواقع الإلكترونية.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق