برجاء الانتظار جاري تحويلكم ...

 
قهوة السابعة

تناقض!

يتصالح المرءُ مع كل ما فيه من متناقضات لأنها سر وجوده! بل إن حياته تكتظ بمفارقات متضادة هي مصدر توازنه، فبين تمام عقله ومجازفة هواه تتشكل شخصيته عبر جهوده المبذولة للتوفيق بينهما في نقطة نسميها «نقطة السيطرة والتحكم بزمام الأمور».

 لقد شكَّلَت المفارقات لدى الفلاسفة مادة جديرة بالتناول، فكل ما يصيب المرء ـ من قلق واستقرار أو ضغينة ورضا أو رغبة في الانتقام وتسامح أو عطاء وبخل أو سعي للنجاح ووقوع في الفشل ـ هو في الحقيقة كل ما حازه من ثقافات وخبرات «تجيّر» لشخصيته التي تشكلت عن طريق تناقضاته.

ثمة رموز تعد مشاعل الأمل آمنت بالصراع فكان التغير، فنحن نؤمن من واقع الحياة أنه لا يوجد إنسان ينعم بحالة راكدة دائمة مستقرة، فمتناقضاته في حالة حركة مستمرة، وكل إنجاز نما وتحقق كان من خلال «الديناميكية» والصراع الذي من بشائره ولادة الأمل والانتصار والخير للمضطهدين، فلا حزن مقيم، ولا فقر دائم، ولا علة باقية، ولا جبار مخلد، وهذا يفتح باب التفاؤل الأخلاقي لإحداث التوازن، فدوام الحال من المحال.

ويبقى الإنسان يبحث عن التوافق بين مصلحته ومصلحة المجتمع بعقلانية غير مجحفة لرغباته، ولا سبيل لذلك إلا بالحب المطلق، وليس المقيد بشخص أو منفعة ولكن إذا فشل المرء في إدارة التناقض، بعد أن مضى تائهًا في عبثية عدم المنطق، سقطت هويته في براثن الاضطراب المرضي، كأن يحمل الكره والحب معًا، والحزن السفلي والفرح العالي. وهذا التناقض الوجداني المرضي الحاصل بسبب خلل أسري أو نفسي له تبعاته الاجتماعية من ضعف في الشخصية، أو عجز عن التعبير عن النفس، أو عدم قدرة على التمازج مع الآخرين، أو بوح عن الأفكار والمشاعر.

الأشياء المتناقضة كثيرة، ظاهرة وباطنة، وهي لا تعمل وحدها، فكل نتيجة ظاهرة تقف خلفها معركة تساهم في بلورة الشخصية، ولكن الحكمة أن تؤمن بالشيء وضده ولا تعيشهما في آن واحد.

رأي: فاطمة اليعيش

f.alyaeesh@saudiopinion.org

فاطمة اليعيش

فاطمة اليعيش , حاصلة على الاجازة الاكاديمية في مجال التربية , مهتمة في التمية وتطوير الذات , عملت في وزارة التعليم وشاركت في العديد من الدورات والورش المتخصصة في مجال الصحافة والتربية والتعليم , لها العديد من المساهمات في مجال الاختبارات والقياس , كتبت في عدد من الصحف منها صحيفة اليوم و الشرق

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق