برجاء الانتظار جاري تحويلكم ...

 
سبْر

محمد جبر الحربي.. ووهم «الربيع العربي»

” مصر يا امّا يا بهية يام طرحة وجلابية

 الزمن شاب و إنتي شابة هو رايح و إنتي جاية

 جاية فوق الصعب ماشية فات عليكي ليل ومية

واحتمالك هو هو وابتسامتك هي هي تضحكي للصبح يصبح”

حينما أخذتنا نشوة «الربيع العربي» وأخرجنا أغاني «الشيخ إمام» من أرفف السبعينيات، وذهبنا بعيدًا في وهمنا، كان هناك من أراد إيقاظنا من زيف حلمنا، ومنعنا من الانزلاق في فخ الفوضى والعبث، كان ذلك النذير شاعرنا محمد جبر الحربي، هذا ما حدث معي على الأقل.

كانت السنين التي سبقت ما يُعرف بـ«الربيع العربي» مليئةً بالرتابة والخيبات، وكانت الشعوب العربية تتطلع إلى تغييرٍ يأخذها إلى عالم الإنسانية والعدالة والكرامة، ولذلك كان الاندفاع خلف موجة «الربيع العربي» كبيرًا وعاطفيًا لنا جميعًا.

كنتُ أتابعُ نشرة الأخبار بعد خطاب الرئيس الليبي السابق معمر القذافي الشهير «زنقة زنقة» وكنت مؤمنًا بهذا الحراك بشكلٍ قطعي وطوباوي، وفي تلك الأثناء هاتفت محمد جبر الحربي لأمرٍ يخص الشعر، وأخذنا الحديث إلى واقع الأحداث المتسارعة، ومازلت أذكر إلى الآن كم صدمني موقف محمد جبر، حينما أخبرني برفضه التام لكل ما يحدث وقراءته المختلفة للأحداث، حيث كان متيقنًا من أنّ خلف ذلك الحراك – الذي بدا عفويًا وشعبيًا بدرجة لا تقبل الشك بالنسبة لي – دول وتنظيمات لا تريد لنا الخير أبدًا، وأنّ عواقبه ستكون وخيمةً إن لم ننتبه ونفشل هذه المخططات، ولبضع ساعاتٍ تحدثنا هاتفيًا وتناقشنا فيما يحدث، وكان إصراره محبطًا وصادمًا لسببين: أولهما معرفتي بمحمد جبر كرجلٍ عروبي وطليعي ومثقفٍ حر، والثاني أنّه شاعرٌ عظيم، وكل من كان كذلك لا يمكن أن يتخذ مكانًا مخالفًا للشعوب ورغبتها في الحرية والعدل والكرامة، تحدثنا بعد ذلك هاتفيًا بضع مراتٍ وكان مُصرًا على موقفه.

بعد أن انجلت الغمة، تبين لي كم كنّا جهلةً وحالمين عبثيين، وكم كان محمد جبر الحربي مستبصرًا حكيمًا لا تخدعه مظاهر الزيف وتجليات الوهم، كما تيقنت من أنّ للعظماء – ومحمد جبر الحربي أحدهم ولا شك- مقاييس لا يحسن عامة الناس مثلي إدراكها واستخدامها.

هذه المقالة ليست أكثر من انحناءة اعتذارٍ لمحمد جبر الحربي، وتكفير عن مكالمات الساعات الطوال، التي حاولت فيها أن أقنعه بما أرى، كما أنّ هذه الكتابة شكرٌ لله على وجود مثل هذا الرجل بيننا، ثم شكرٌ لمحمد جبر الحربي على حلمه وصبره على حماقاتنا الحالمة العابثة. فهل تٌراها تكفي؟

رأي: خالد عوض العمري

k.alamri@saudiopinion.org

خالد العمري

خالد عوض العمري، خريج هندسة كهربائية من جامعة الملك فهد للبترول والمعادن، يعمل في وزارة الصحة، شاعر وكاتب , نشر العشرات من القصائد في الصحف والدوريات المحلية والعربية وله ديوان تحت الطباعة، كاتب رأي في عدد من الصحف السعودية منها عكاظ، الوطن، الشرق، البلاد والمدينة.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق