برجاء الانتظار جاري تحويلكم ...

 
الصعود للعمق

عزفٌ ذاتيٌ منفردٌ

منذ أن اخترت الانضمام للجوقة الحرة في أوركسترا «الرأي السعودي» ومن فوق منبري الصعود للعمق، جعلت أجرب ألحانًا يختلف عزفها عن ذي قبل، فأنقر بأناملي أوتار مشاعري، لأستجلب «هارموني» ما فيها من غريب وعميق الشجن والمعاني.

تصور نفسك تفيق من منامك يومًا وأنت تصرخ باكيًا، ظنًا منك أن نحيبك يشبه الغناء، غير أنه يصبح نشازًا حينما يجتمع حولك أهلُ منزلك والجيرة، والدهشة والخوف والعجب تعتصرهم. وتصور مشاعرهم «الخديجة» وهم يحاولون احتواءك، وحمايتك من مجهول.

بعدها –صدقني- الألحان لن تعود كما كانت عليه قبل ذلك العزف المنفرد النشاز، فمهما تعذرت لهم، ومهما حاولت تصوير الحكاية بالمزاح ستختل قيمتك عندهم كثيرًا، فالشك في مدى قواك العقلية سيتبلور، ويفقد الجميع الثقة في طراوة ومتانة أوتارك النفسية، وسيتحاشون العزف مشاركة معك.

مجرد نشاز واحد غير مسؤول، يجعلك منفيًا عن معزوفات الثقة، والحب، واليقين، وعن الوقوف مع الأوتار الأخرى فوق مسرح الجمال.

أوتارك الذاتية أنت من يصنعها و«يدوزن» نغماتها، وأنت من يعزف عليها بفن وشاعرية تجعل الكون مصغيًا حولك، وأنت بالمقابل من يصيبها بالنشاز، ويقطعها بجفاف ريشة من كان يثق بك ويحترمك، وهو الآن ينظر إليك بريبة، وقد يتعاطف معك وقد يجاملك، ولكنه في داخله يظل يبحث عن ذلك المختل، الذي أفقده سطور الأمان، والعزف المشترك المتزن فوق مسرح التناغم.

كل تصرفاتنا «نوتات» وجميع من يعرفوننا ويعزفون معنا قادرون على بلوغ المتعة بعزفنا، ومشاركتنا الأداء، بطريقة إنسانية، غير أن النشاز يخرجنا من الأسطر، وينفينا إلى دنيا الخبل.

خبروني، لماذا يكون الراحل دومًا عزيزًا والكل يتغنى ويبالغ في محاسنه وبما ندرك جميعًا أنه لا يتناسب مع أوتاره ولا عزفه القديم في حياته؟ لماذا يكذب الجميع ويعزفون سيمفونية الوداع بأجمل الصور مبالغين بالكذب ومحاولة تطريب النشاز؟ لماذا لا يتركون أوتار الميت على حالها دون تغيير لأماكنها ودون تزويقها وشدها وتزييتها لجعل ألحانها أجمل رغم مغايرتها للواقع قبل رحلة التأبين؟

عني أنا فلن أعزف النشاز في «سيمفونيات» حياتي، وأرجو من الجميع عدم تغيير نبرات أنغامي، لأن لحنها هو ما يدوم بعد انقضاء التأبين.

أرجوكم استمعوا لمعزوفاتي المنفردة بنفس جنونها اللحظي في «سيمفونية» النفس الشفافة، المستوحشة، و«بهارموني» الصعود للعمق.

شاهر النهاري

طبيب أخصائي طب الأسرة والمجتمع، يعمل في مدينة الملك فهد الطبية بالرياض مديراً للمشروع الطبي، زاول كتابة مقالات الرأي بعدة صحف كجريدة الشرق الأوسط - لندن، صحيفة الوطن السعودية، الجزيرة، الشرق ،مكة الورقية.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق