برجاء الانتظار جاري تحويلكم ...

 
أجراس

حياةٌ مُخففةٌ

كلما انزاح شكل الحياة إلى التعقيد، زادت حاجة الإنسان لعيش اللحظة مخففة من أثقالها، فحياةُ الإنسان كما يقسمها الفلاسفة: عالم خارجي وآخر داخلي. وفي كلا المسارين يسعى الفرد إلى استشعار الرضا والسعادة، ولكن السؤال: كيف يمكن تحقيق ذلك على نحو مسارين مختلفين في الطبيعة والعناصر والظروف؟

العالم الخارجي، هو المحيط بالفرد من مادة وإنسان كالأفراد والجماعات بكل دوائرهم، فكون الفرد ينتمي لبيئة أو مدينة أو جماعة معينة فهذا لا يعني أبدًا قدرته على التحكم بحركة وسلوك واعتقاد هذه الجماعات، فحتى الشخصيات المؤثرة عالميًا لا يمكنها فرض تأثيرها على جمهور مفتوح.

ومع تطور شكل التواصل الإنساني، أصبح تداخل الروابط والعلاقات واقعًا مفروضًا، فبيئة العمل ومركز التموين الغذائي والشارع العام والمواقع الإلكترونية وبرامج التواصل الاجتماعي، كلها نوافذ تفتح الفرد على شبكة تواصل مترامية الأبعاد، فكيف يمكن وضع هذه الشرائح المفتوحة في إطار سلوكي وفكري وفق رأي الفرد؟ من المستحيل أن يحدث هذا التطابق.

أما العالم الداخلي، الخاص بالفرد كأفكاره ومعتقداته ومِزاجه واضطراباته النفسية والعاطفية فهذه تحت سيطرته باعتبارها جزءًا من ذاته، ومنها ينطلق التأثير نحو العالم الخارجي، فلو اعتبرنا الحياة الجميلة هي الخالية من المرض والحرب، ستكون سعادتنا غامرة ونحن ننعم بالأمان والصحة، ولو آمنا بأن الإنسان ليس مخلوقًا كاملًا، سنتقبل الصفات غير المحببة في الآخرين برضا وإن كنا لا نطبقها شخصيًا، ومن هنا ينشأ شعور الراحة والرضا بالواقع الخارجي بتصالح تام.

إن استثمار مساحة العالم الداخلي بالبحث عن الإيجابيات وتجاهل السلبية المشحون بها العالم، سينعكس على الإنسان في علاقته مع ذاته أولًا ثم الآخرين، وهذا أحد تمثلات الحياة المخففة، التي يصنعها الإنسان بنفسه، ليساعدها على تخطي أزمة التعقيد الحياتي التي تزداد كلما تقدم العلم وتطور الإنسان.

إن المجهر الصارم الذي نراقب به العالم، هو الذي يكبر الأشياء الصغيرة التي عبرت على شعوبٍ أخرى دون أن تحدث أي أذى يذكر، ونحن اليوم أحوج للحظة المخففة المؤمنة بأن الخير ساكن في عمق الذات ومُنتصرٌ على ظلام العالم لا محالة.

رجاء البوعلي

بكالوريوس في الأدب الإنجليزي ودبلوم في الإرشاد الأسري وآخر في السكرتاريا التنفيذية، مدربة معتمدة من مركز الملك عبد العزيز للحوار الوطني. كاتبة وأديبة لها مساهمات كتابية في العديد من الصحف السعودية والعربية، مدربة في مجال التنمية البشرية، ناشطة في قضايا الشباب ومهتمة بالشأن الثقافي، عضو في عدة أندية ثقافية محلية ودولية.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق