برجاء الانتظار جاري تحويلكم ...

 
بعض الاقاويل

أصولُ التجربة الإسرائيلية

بعد استعراض تصور المفكر حاج حمد للظاهرة الإسرائيلية في شكلها المعاصر، نتعرض الآن إلى أصل الموضوع وفق منهجه -رحمه الله- فيرى حاج حمد أن مفهوم الحركة في التاريخ البشري لا تستوي خصائصه المرحلية في القرآن على التعاقبات الطبقية المتولد بعضها من بعض عبر منهجية الصراع، كما هي الحال في التجربة الأوروبية، بل تستوي كأشكال دائرية بدءًا من الشكل الفردي العائلي «آدم» إلى الشكل القومي «إسرائيل» إلى الشكل العالمي «الإسلام» ويمكن تأمل سورة البقرة حيال ذلك.
إن ذكر بني إسرائيل المكرر في القرآن ليس من طبيعة التكرار في شيء، ففهم تجربتهم وعلاقة الله بها، أساس مهم في فهم فعل الله في الطبيعة والتاريخ وفي بناء الحضارة البديلة.
كانت العلاقة بالله في مرحلة التكوين القومي للإنسانية لا تستوعب بسهولة امتداد الغيب إلى واقع الحركة المتطورة بكيفية خفية، كانت تريد فعلًا مباشرًا من الله في الطبيعة «المعجزات الحسية» وعلاقة مباشرة مع الله «حتى نرى الله جهرة» كانت فكرة الإله المحتجب مستعصية على مفهومية الإنسان الذي يفترسه العجز أمام ظواهر الطبيعة. كان اختبار موسى -عليه السلام- في قصة الخضر بالانتقال بالإيمان من المفهوم الحسي إلى المفهوم الغيبي، فلم تغرق السفينة على الرغم من خرقها، كان الغيب المستتر يفعل فعله خلف ظواهر تبدو جبرية طبيعية. لذا نجح موسى في تربية الله له عندما أخفق قومه، فقال: رب أرني أنظر إليك، والفارق قائم بين أسلوب الطلبين، فموسى طلب الارتقاء عن عالم الحس ليصبح قادرًا على النظر، وحين يأتي تجلي الله للإنسان بالفعل المرئي يكون العقاب في المستوى نفسه من الوضوح والجلاء، لذا جاءت مظاهر الردع متساوقة منطقيًا مع التسخير المرئي، وهذه هي شريعة الإصر والأغلال التي نسختها شرعة التخفيف والرحمة التي اتسم فيها الإيمان بالمفهوم الغيبي.
إن الشكل الحضاري في المرحلة القومية والذي تمثله التجربة الإسرائيلية يتسم بوعي عقلي محدد السمات وبرؤية كونية معينة، وهذه الرؤى العقلية الكونية لا تأتي متناقضة مع بعضها، كما تذهب لذلك الفلسفة الوضعية بل تختلف في طبيعتها وليس في مضمونها تبعًا لخصائص الوعي الحضاري في كل مرحلة، العقل الإحيائي الذي يضفي على الموجودات صفات النفس والسحر كظاهرة مفهومية، كل ذلك وغيره دلالة على ذهنية معينة في التصور الكوني وثقافة عصر بأكمله، لذا جاء التسخير ضمن تلك الثقافة كما في قصة سليمان -عليه السلام- لقد جاء الوعي المحمدي مفارقا لكل هذا.. وهي مقالتنا القادمة.

طارق العرادي

طــارق علي العرادي البلوي، استشاري باطنية, يدير حالياً مستشفى الملك فهد التخصصي بتبوك، عضو عدد من الهيئات الصحية والطبية وكذلك جمعيات طبية خيرية ، كاتب رأي في صحيفة الشرق ، والعديد من المواقع الالكترونية .

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق