برجاء الانتظار جاري تحويلكم ...

 
أجراس

«الحرية» كقرار ذاتي

هل حقٌ ما يُقال: إن الحرية لا تفسد الإنسان بل تُظهر حقيقته؟ فالتحرير هو الخلاص من القيود وإطلاق الإرادة الذاتية لممارسة دورها في اتخاذ القرار بحرية تامة، فهذا المفترق للطرق وتحديد الوجهة، كاختيار التخصص الجامعي عندما تطول وتتنوع قائمة التخصصات المتاحة، فتسأل نفسك: هل أختار دراسة الموسيقى أم الفلسفة هي الأنسب؟ أم أرى نفسي أديبًا أم مهندسًا؟ أم أن كل هذه الخيارات لا تلبي طموحي؟ فحلم الطيّار الرحالة هو الذي استحوذ عليّ منذ الطفولة. هذا هو معنى حرية الاختيار دون إرهاصات خارجية.
فلماذا يبقى سؤال الحرية قائمًا بذاته منذ تاريخ الفكر الإنساني؟ إنه السبيل الوحيد المؤدي لإظهار الذات المختبئة خلف القناع المفروض عليها، فممارسة الحرية بمثابة خروج الإنسان بوجه خالٍ من المساحيق التجميلية، ليقول باختياراته: هذا أنا، وهذا ما يحدث فعلًا عندما ترتفع القيود الثقافية والاجتماعية الحاكمة على الإنسان والمسيّرة له في غالب الأحيان، فلماذا القلق من هذه المنطقة؟
سيجيبك الآخرون بأن قلقهم نابعٌ من المحبة، نعم محبة الخير والرشاد والفضائل، فخشيتهم من غواية الحرية وعبثها في فكر الفرد، وهنا يعبرون ضمنيًا عن آمالهم البيضاء بـ«المدينة الفاضلة» التي «عشعشت» في أذهانهم، متجاهلين الإرادة الذاتية واختلاف طبيعة الشخصية وفصيلة الدم في العروق. فهل قلقهم مُبررٌ أم غير مشروع؟
سأكون إيجابية جدًا وأعتبر القلق حسًا أموميًا أو أبويًا لن يختلف كثيرًا لأن مصدره الحب، فعندما لا تكترث لأحد ما ولا تقلق لأمره، فأنت تجسد معنى انقطاع الشعور الحميمي بينك وبينه، بينما يحدث العكس مع الشخص المُقرب، ستقلق عليه من الأذى، وإذا اعتبرت الغواية أذى ستكون الحرية المؤدية لها هي بداية طريق الأذى، ولكن هل محبوبك مسلوبُ الإرادة ومُجردٌ من القدرة على اتخاذ القرار؟ قد تكون الإجابة: «لا» أو «نعم» أو «لا أعلم». وهذه هي طبائع الإنسان المختلفة.
إذن الاختلاف البشري أمر حتمي، والاعتراف بكل ألوان الحياة هو اعتراف بالحياة الطبيعية كما هي لا كما نريدها أن تكون، وإتقان لفهم التفاصيل المتحركة فيها والشخوص المركبة في أحداثها، فلماذا الإصرار على التناسخ الموحد؟

رجاء البوعلي

بكالوريوس في الأدب الإنجليزي ودبلوم في الإرشاد الأسري وآخر في السكرتاريا التنفيذية، مدربة معتمدة من مركز الملك عبد العزيز للحوار الوطني. كاتبة وأديبة لها مساهمات كتابية في العديد من الصحف السعودية والعربية، مدربة في مجال التنمية البشرية، ناشطة في قضايا الشباب ومهتمة بالشأن الثقافي، عضو في عدة أندية ثقافية محلية ودولية.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق