برجاء الانتظار جاري تحويلكم ...

 
غدق

صلاح النفس يعني صلاح التعامل

حدثني رجل يعمل في بيع السيارات المستعملة، كان في غاية الزهو والخيلاء والنشوة وهو يسرد على مسامعي بأن لديه القدرة التامة والإمكانية البلاغية والحيل المتنوعة بالضحك على المشترين، وكيف يبيعهم السيارات على أنها صحيحة وسليمة لا خوف منها ولا توجس، لقد اندهشت من كلامه غاية الدهشة، وتعجبت غاية التعجب، حتى شعرت بالقشعريرة تسري في جسدي، لقد كرّرت عليه أسئلة مختلفة لأتأكد من سلامة عقله، وصدق قوله، واتضح لي وبشكل لا يقبل الشك، بأنه كان واعيًا لما كان يعمل، ولكنه يعد ذلك العمل غير الأخلاقي شطارةً ومهارة، مكّنته من اصطياد زبائن كثر أوقعتهم حظوظهم العاثرة في سبيل هذا الشخص الذي يفتقر إلى الضمير الحي، والسلوك الحسن، والذي يعد الخداع والكذب والحيلة غاية للوصول إلى مآربه شطارةً وذكاء وحسن معرفة.

للأسف، إن الواقع الذي نعيشه يدلّل بأن مثل هذا الشخص في مجتمعنا كثر، وهم في مواقع كثيرة متعددة ومختلفة، هؤلاء مرضى نفسيون، وربما لكثرة كذبهم ونفاقهم، أصبحوا لا يؤمنون بقيم الخير والنبل والصفاء، بل إنهم من فرط ما هم منغمسون فيه من خيبات ورذائل، يجدون المتعة في القيام بكل الأعمال غير السوية، وعليه فإنهم يتباهون ويفتخرون بعملها.

لا شك، إن كل العبادات المختلفة مطلوبة منا وعلينا القيام بها على أكمل وجه ما استطعنا إلى ذلك سبيلًا، ولكن إذا لم يكن لهذه العبادات صدى في تعاملنا وأخلاقنا وسلوكنا مع الآخرين، فإن كل هذه الطاعات تصبح طقوسًا جوفاء، بلا روح ولا جمالية ولا رونق، وهذا ينطبق على جميع مناحي حياتنا، سواء على مستوى الإخلاص والتفاني في العمل، أو على مستوى التعامل مع الأهل والأصدقاء، وبقية من نتعامل معهم من أفراد آخرين، وللأسف فإن القيم التي تعد من أبجديات ديننا الإسلامي الحنيف، مثل الوفاء والصدق والإخلاص والتفاني والبعد عن النفاق والرذيلة، أحيانًا لا تجدها في كثير من الناس، عندما أرى هذا التناقض بين الأقوال والأفعال، والنفاق المستشري بشكل فاقع وبائن، تقفز أمامي معالم الدهشة والامتعاض والاستغراب والألم، إن هناك من يتلاعب بالمبادئ والقيم ولا يقيم وزنًا لبني البشر في تحقيق مآربهم، فتراهم يتلونون كالحرباء، حسب المواقف والمبتغيات، فهم لا يتورّعون عن عمل أي شيء، حتى لو تطلب الأمر منهم سحق الآخرين، ونعتهم بصفات منافية للأخلاق والقيم، في سبيل تحقيق أهدافهم الدنيوية ومصالحهم الشخصية الضيقة، والتي يغلفونها ويجملونها بكل الطرق والأساليب المتلونة، متناسين بأنهم مهما استطاعوا أن يخدعوا البعض، فإنهم مفضوحون من قبل الآخرين ومكشوفون، فضلًا عن رب العباد الذي «يعلم خائنة الأعين وما تخفي الصدور» فهؤلاء مهما جمعوا من أموال، ومهما كسبوا وربحوا، ومهما قاموا به من أعمال بشعة ومقيتة، فهم في حقيقة الأمر لا يخدعون إلا أنفسهم، ولا يخسر إلا سواهم.

إن الذين يتقنون استغلال المواقف المتناقضة التي تخدم مصالحهم الذاتية، بعيدًا عن المصداقية، والحق، وثبات المواقف، هم بعيدون كل البعد عن أخلاق الإسلام وتعاليمه السمحة، الذي يرفض الغش والتدليس والزيف والمخادعة.

رمضان العنزي

موظف قطاع خاص، كاتب رأي بصحيفة الجزيرة، روائي، لي من الإصدارات ثلاثة: ١) حي المطار القديم ٢) العيش بين مخرزين ٣) وطنيات.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق