برجاء الانتظار جاري تحويلكم ...

 
مدارات

نبذ «اللامنتمي»

من عجائب الوجود أنه يتقاذف بنا كيفما شاء، فيوصلنا للقمة ثم لا يلبث أن يلقي بنا إلى القاع، فقبل 63 عامًا صدر كتاب يحمل عنوانًا ملفتًا هو «اللامنتمي» لمؤلف شاب لم يتجاوز عمره حينذاك 25 عامًا يدعى كولن ولسن.

أحدث الكتاب عند نشره دويًا هائلًا في الأوساط الثقافية، حتى أنه قد بيعت منه أكثر من خمسة آلاف نسخة في أسبوعه الأول، فقد كان مؤلفه الشاب يسعى لإقامة «وجودية جديدة» متجاوزًا في ذلك أشهر الفلاسفة الوجوديين أمثال جون بول سارتر وسيمون دي بوفوار.

مَثَّلَ كولن في كتابه هذا، لحظة في تاريخ الوعي والحساسية للموجودات، لحظة وصفت بكونها صادقة، وتعبيرًا قد جاء في أوانه ليعيد للذاكرة الثقافية العالمية أدباء وفنانين أمثال الرسام الهولندي فان جوخ، والروائي الروسي دوستويفسكي، والمغامر الإنجليزي لورانس العرب.

هذا النجاح قد أدار رأس كولن، وله الحق في ذلك، فقد كان صغيرًا في السن آنذاك، وكان حجم الشهرة التي حققها طاغيًا بكل المعايير، إذ كان مُؤَلَفُهُ يُدَرَّس في الجامعات الأمريكية بوصفه أدبًا جادًا ذا قيمة معرفية عالية، وعن ذلك قال كولن واصفًا آلية تشكيل المحتوى الفلسفي لكتابه: لقد كان ينصب خارجًا مني مثل حمم بركان منصهرة، كنت أكتب عن نفسي وأبصر نفسي في مرايا فان جوخ، ونغنسكي، ونيتشه، و تي آي لورانس.

غرور كولن قد دعاه لاحقًا لانتقاص رموز من أدباء العالم، أمثال الشاعر المسرحي وليم شكسبير، الأمر الذي أغضب العديد من أدباء ومفكري إنجلترا، هذا إلى جانب تبنيه تفكيرًا ذا طابع فاشي ينظر بدونية لبقية المكون البنيوي للمجتمع، فبدأت تنحسر عنه الأضواء، لتجيء الضربة القاضية من الفيلسوف البريطاني الشهير «أ.ج.آير» الذي يعد من أعمدة الوضعية المنطقية، حيث نقد فلسفة كولن مقيمًا عليها الحجة بأنها «فلسفة هزيلة لا تستند إلى أي أساس فكري متين».

وعلى الرغم من حرصه – أي كولن ولسن – على زيادة إنتاجه لاحقًا بحيث وصل لقرابة المائة مُؤَلّفْ، إلا أن ذلك لم يشفع له لدى النقاد ولا الجمهور العادي الذي انصرف عنه تدريجيًا، وأهملت كتبه بحيث غدت مركونة على أرفف المكتبات يعلوها الغبار بعد أن كانت تدرس في أرقى جامعات العالم.

حسن مشهور

حسن مشهور مفكر وأديب وكاتب صحفي. كتب في كبرى الصحف المحلية والعربية منها صحيفة جورنال مصر وصحيفةصوت الأمة اللتان تصدران من مصر بالإضافة للكتابة لصحيفة العرب ومجلة الجديد الصادرة من لندن والتي تعنى بالنقد والأدب. ألف عشرة كتب تناولت قضايا تتعلق بالفكر والفلسفة والنقد ترجم عدد منها للغات حية أخرى كما نشر العديد من الدراسات الأدبية والأبحاث في دوريات علمية محكمة ، وقدم العديد من التحليلات لعدد من الفضائيات والصحف العربية.

‫4 تعليقات

  1. الغرور إذا اصاب الفرد ؛ أورده المهالك.
    وماكان حسن الخلق والتواضع في شيء إلا زانه ولارفع منه إلاشانه.وهكذا كان الأمر مع كولن ولسن الفيلسوف الغر كما اسميه.
    فقد جعل منه غروره ونرجسيته نسيا منسيا.
    شكرا للكاتب على مقاله الراقي هذا ونبارك للصحيفة اطلالتها الجديدة.

  2. حقيقة عند تأمل هذه الحياة وبما يحدث فيها من متغيرات حياتية عدة ، فإننا نتعجي من حكمة الله وقدره فهو عز وجل من يعز من يشاء من عبادة ويذل من يشاء.ولسن صاحب كتاب اللامنتمي خير برهان على ذلك .فلله في خلقه شؤون .ولقد قرأت منذ عام بأنه في آخر لقاء أجري معه أنه قد صرح بأنه أعظم عقل قد أنجبته البشرية وإن العالم سيتذكره والأجيال القادمة ستخلد ذكراه.

  3. الإنسان مخلوق ضعيف ومن اضعف ما خلق الله لكنه يملك العقل الذي خلقه له الله.
    وهذا العقل هو هبة عظيمة من خلاله يبدع ويسهم في تطوير الحياة وهو كذلك مصدر وباعث لجبروت الإنسان في نفس الوقت.
    فسبحان الله القادر على كل شيء.

  4. الصعود المفاجئ يتبعة سقوط سريع ومدوي لايمكن الخروج عن النسق ولن يعاد اختراع العجلة بل البناء حيث انتهى الاخرون وفق تراكمية مقننه لولاه لما وصلنا الى هذا التقدم والرقي والمعرفة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق