برجاء الانتظار جاري تحويلكم ...

 
همسات

«الأنوثة» من القداسة إلى التدنيس والطمس

حين وجد الإنسان نفسه تائهًا في هذا الكون يبحث عن الأجوبة، قادته بداهته الأولى إلى تقديس المرأة، فاتخذها إلهة تخلق في رحمها معجزة الحياة، فكانت الأم البشرية بما تمثله من الخصب والعطاء والحب تجسيدًا للإلهة الأم، كما في صورة الإلهتين البابليتين تعامة ومامي، إلا أنه مع تطور المعرفة وتعاظم دور الرجل في المجتمع الزراعي وتصوره أن الذكر وحده مسؤولٌ عن الإنجاب، تم تقزيم دور الأنثى حتى أصبحت مجرد وعاء.

وفي رحلة انحدار الدور الأمومي تم تشويه الإلهة الأم، ونسبت صفات التقلب والغضب والخسف لها، كما حدث في تغيير صورة الإلهة عشتاروت مثلًا. استمرت الرحلة وصولًا إلى خلق صورة الإله الذكر وتنحية الأنوثة عن عالم المقدسات تمامًا، بل وسيطر الرجل على أدوار الكهانة وخدمة المعابد، وتم تدنيس المرأة وإسقاط صفات النجاسة والعورة عليها، مما فتح فصلًا جديدًا في تاريخ البشرية، بدءًا بطمس وتغطية وإخفاء المرأة داخل المعابد وصولًا إلى كل جوانب الحياة.

لقرون طويلة جدًا مع اختلاف الفلسفات والحضارات والأديان، بقيت المرأة «الفتنة، أحبولة الشيطان، العورة، النجسة» لأسباب دينية تارةً وأسباب اجتماعية تارةً أخرى، إلا أن رحلة المعرفة الإنسانية المستمرة في النمو استطاعت وببطء شديد عبر القرون الثلاثة الأخيرة، أن تعيد المرأة إلى النور، فبعد أن أُحرقت المعالِجات باسم الشعوذة واختبأ النتاج الفكري النسوي خلف أسماء ذكورية دهرًا، أصبحت النساء أخيرًا الشريك الطبيعي الظاهر للرجل، رغم ذلك وبما أن مجتمعنا يأتي في مؤخرة الركب بسبب تراكمات الماضي، فلايزال البعض يمارس رواسب طقوس الطمس التاريخية تلك، فيتعامل مع الهوية الأنثوية والجسد الأنثوي بمعايير مختلفة تمامًا عن تلك المرتبطة بالرجل، فلديهم -على سبيل المثال- حساسية مفرطة حتى مع اسم المرأة أو ملامح وجهها، فلا يزال البعض يعتبر ذكر اسم الأم أو الزوجة فضيحة فيلجأ لستره بالألقاب والكنى، ولا يزال منخار المرأة وشفتاها عورة واجبة الستر.

إن تغليف تلك الممارسات بأسماء جميلة رنانة وإسباغ نكهة أخلاقية اجتماعية ودينية عليها، لن يغير جوهرها القاتم، فمتى –بربكم – سنتوقف عن طمس الأنوثة؟

سلمى بوخمسين

سلمى عبد الحميد بوخمسين , مخرجة مسرح , قاصة , سينارست , كاتبة رأي في عدة صحف محلية منذ عام 2016 و حتى الآن منها الشرق و اليوم و القافلة . نشرت مجموعة قصصية عام 2018 بعنوان على سرر, كما كتبت عدد من النصوص المسرحية , واخرجت مجموعة من المسرحيات و العروض الفنية و مسرح الظل نال بعضها على عدد من الجوائز .

‫2 تعليقات

  1. مقال رائع يعيد ترتيب الأوراق ويوضح للجميع مكانة المرأة التي كانت ولاتزال تستحقها.وحتى رغم أن هذه المكانة قد تمت مصادرتها من العنصر الذكوري إلا أن المرأة قد تمكنت من استعادتها.

  2. هل نستطيع أن نربط مكانة المرأة بالنمط الاقتصادي مثلا ؟
    في مجتمعات الصيد و الرعي كانت تقوم بدور مهم
    مجتمع الزراعة أصبح دورها أقل اقتصاديا و أكثر كأم

    المجتمع الصناعي و التكنلوجي اعاد لها مزيد من الأهمية فعاد التوازن اكثر

اترك رداً على نادية الحكمي - إعلامية إلغاء الرد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق