برجاء الانتظار جاري تحويلكم ...

 
الصعود للعمق

بين الشهيق و«النهيق»

ما أجمل أن تترك نفسك مرتخيًا بين يديك، وأن تطري عضلاتك المشدودة في ظهرك، وترتمي فوق غيمة من بياض الراحة، تراجع فيها معطياتك المختلجة، التي تموج بين أضلاع لم تعد تحتمل عبء أحمالها، التي تراكمت على نفسك في الفترات الماضية.

وما أروع أن تدخل إلى «بلونتي قفصك الصدري» بعض الهواء النقي، بشهيق يرتفع بالأضلاع حد الصرير.

لا تقل إنك لست في حاجة لتلك اللحظات النورانية، التي تقتنصها بثني أقواس أضلاعك، وتطلقها أسهمًا بين أحراش الأيام، المليئة بالوحوش والكواسر، والدواب، والمستنقعات، والشوك، والهروب، وترجمة الخوف، للنجاة ممن يطاردك من أمامك حتى تنثني هامتك حيث يكون باطن قدمك.

الهروب أنواع، فهروب يتم بامتطاء الأقدام، المنفردة أحلامها كأجنحة ملاك، ومنها ما يتم بإغماضة عين، قد ترى فيها القمم، وربما لا تبصر قعر الهاوية، ومنها ما يتم بانسلاخ من الجسد، لتجد حتى سقف غرفتك المكين لا يحتويك، فتظل ترفرف فوق سطوح الجيرة، وكأنك عصفور أخضر، يبحث عن قطرة ماء ينفش بها ريشه.

ومنها ما يجعلك تتسامى فوق كل غاز متطاير، فتجد الكوكب الدري من تحت دهشتك، وأنت تبحث في زرقته عن بريق روح أحببتها يومًا.

ومنها ما يحملك بدون «زنبرك» لتجد نفسك حاملًا للهم، والغم، والخوف، والشرود، والرغبة في وضع قدمك فوق صخرة أمان ملساء.

ومنها هروب لا تكتمل خطواته، فمهما أطلقت لعينيك الخيال، ولقلبك الأمنيات، ستجد هاجسًا في جوفك «يتكلس» بالكولسترول، ويمنعك من الهروب تسربًا، ويزيد فوق صدرك أحمال الصخور، التي لا يقدر على إزاحتها رافع أثقال.

أنا أهرب إذن أنا حي، والحي يحييك، متى ما كان له من الحياة مثقاب، ومحك، وبقايا شمعة، ووهج رغبة في صنع شمعة جديدة، يقوم في الغد بتقريبها لقبلة الشمعة المتهافتة، لتحمل عنها الراية، وتستمر في الهروب.

البشر يكذبون حولنا، لا أحد فعلًا يشعل الشمعة لأحد، كلٌ يشعل شمعة ذاته، ويدعي الإنسانية والرحمة، ويضحك غبطة، بأنه قد أشعل، وهو لم يشعل إلا ذاته، بوقود الآخرين.

الشهيق يحمس إقدامنا، لنهرب عن سجون أيدينا، وسجون أعين البشر، غير أن الكثير منا، لا يرتقون بذلك الهرب، إلى مساحات المدى، فلا نعود تسمع منهم في النهايات، إلا «النهيق»!.

شاهر النهاري

طبيب أخصائي طب الأسرة والمجتمع، يعمل في مدينة الملك فهد الطبية بالرياض مديراً للمشروع الطبي، زاول كتابة مقالات الرأي بعدة صحف كجريدة الشرق الأوسط - لندن، صحيفة الوطن السعودية، الجزيرة، الشرق ،مكة الورقية.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق