برجاء الانتظار جاري تحويلكم ...

 
بين الضفتين

جهلاء بمواصفات عصرية

يعتقد بعض الجهلاء أن متابعتهم لما يجرى من أحداث في العالم عبر البرامج والمواقع الإلكترونية، كفيلةٌ أن تجعلهم قادرين على تقييم سياسات الدول ومعرفة مواطن القوة والضعف لديها، بل إن الحال وصل ببعضهم أن يسدي النصائح التحذيرية إلى الحكومات والمنظمات الدولية حيال الكثير من القضايا المعقدة بناءً على المعلومات المتوفرة لديه من عالم الإنترنت، هؤلاء الأفذاذ يعيشون بأجسادهم على كوكب الأرض معنا، لكنهم يعيشون بعقولهم في عوالم أخرى خارج كل المجرات التي سمعنا عنها من قبل.

هذه النماذج من العقول الهشة هي وللأسف الشديد حصادُ مراحل من التعليم التلقيني، امتدت إلى عقود من الزمن، بحيث أصبح من الصعوبة جداً إحداث توازن معرفي في أذهانهم، في ظل غزارة الأخبار والمعلومات غير الدقيقة في الشبكة العنكبوتية، طالما أنهم في كل مراحل حياتهم اعتادوا أن يكونوا متلقين سلبيين لكل ما يصلهم من أفكار ومعلومات، والسبب أنهم لم يمارسوا أبسط مهارات التفكير النقدي تجاه تلك الأفكار.

تجدهم يتوهمون أن ما يشاهدونه ويقرأونه في الفضاء الإلكتروني، هي حقائق مجردة ظلت حبيسة الأدراج المغلقة لسنوات طويلة، دون أن يتجرأ أحد على فتحها ومعرفة أسرارها وخباياها، على طريقة أفلام الآكشن المليئة بالإثارة والغموض، وتجدهم دائماً بذات الحماس يُبَشرون بعهد الحرية وانهيار قبضة الحكومات الحديدية بفضل الثورة التقنية الجارفة، وهم غارقون إلى أخمص أقدامهم في براثن الجهل وأوحال السطحية.

أتذكر في بدايات ظهور برنامج «واتس آب» أن بعض الأصدقاء كانوا يتلقفون ما يشاع في «تويتر» من أخبار ومعلومات مغلوطة بشغف منقطع النظير، ثم يطوفون بها على المجموعات دون تمحيص أو روية، إذ كانت المسألة بالنسبة لهم أشبه بسباق ماراثوني نحو الإمساك بالحقيقة الغائبة عن الأنظار والأذهان في زمن التعتيم الإعلامي قبل ثورة الميديا.

ولك أن تتخيل سيل الغثاء الذي كان يجتاح هواتفنا ليل نهار، مختوماً بعبارات «كما وصلني» أو «منقول» وغيرها من العبارات التي ابتكرها مروجو الشائعات كي يرفعوا الحرج عن ضحاياهم السذج ويشجعوهم على نشرها، باعتبارها مسنودة إلى أشخاص آخرين «مجهولين» وبذلك يحصنون أنفسهم من الاتهام بنشر الشائعات.

كم نحن بحاجة ماسة إلى برامج تثقيفية تؤصل في العقول المعنى الحقيقي لاستقلالية الفكر، وتحذر من مخاطر التبعية العمياء على القوى العقلية للإنسان الذي كرمه الله بنعمة العقل عن سائر المخلوقات الأخرى، فلربما تساهم مثل هذه البرامج في تحرير بعض العقول من هيمنة الأفكار المقولبة والمسلمات الخاطئة في ثقافة المجتمع.

عيد الظفيري

عيد الظفيري , دبلوماسي ومترجم يعمل بوزارة الخارجية ، ماجستير في التحليل السياسي ، دبلوم عالي في الدراسات الدبلوماسية ، عضو سابق في الجمعية العلمية السعودية للغات والترجمة ، كاتب رأي في العديد من الصحف والمجلات والمواقع الالكترونية .

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق