برجاء الانتظار جاري تحويلكم ...

 
كلام أقل

من «البجيري» إلى «إثراء»

يمكننا القول: إننا على أبواب تشكيل وجدان مشترك للمجتمع السعودي عبر الثقافة والفنون، حيث لم يكن ذاك متاحًا في العقود الأخيرة.

نقف معًا على عتبة مفصلية في تاريخنا السعودي، موجة جديدة من التحولات الكبرى على جميع الأصعدة، ومنها مجال الثقافة والفنون الذي مورست عليه شتى أنواع الضغط و«التبخيس» على أقل تقدير، ومن خلال مكان الفعل الثقافي، يمكن أن نلمح التأثير ونقيس سرعته في وجوه الناس.

عندما يتحول الفضاء العام للمجتمع إلى مركز للنشاط الثقافي والفني، يشكل الأثر، ويوحد الوجدان ويصيغ المشتركات، هكذا يمكن قراءة الفعل الثقافي والفني الذي يحدث الآن في أماكن مفتوحة يوميًا أمام جميع الراغبين من الجمهور، مثل حي البجيري في الدرعية، وموسمية مثل العلا أكبر متحف مفتوح في العالم، كما يمتد هذا الفعل الثقافي ويتطور إلى مناطق ومدن متعددة، مثل: قصر إبراهيم، جبل القارة، القيصرية في الأحساء، والمسورة في القطيف، ورجال ألمع في أبها، وقصر مارد في الجوف وجدة القديمة في جدة.

نشهد بوضوح مدى الأثر حين تلتقي الفنون والثقافة بالناس في الفضاء العام، حين يكون الفعلُ والمكانُ مهيئين لمثل هذا التفاعل المتراكم والمستمر.

لقد انطبع لدى المتلقي في عقود سابقة هيمن عليها الخوف، أن أمكنة الفرح العامة مؤقتة، خيمة على أرض بيضاء، بمجرد تنفيذ برنامجها، سرعان ما تزول عن الوجود وكأنها لحظات فرح مسروقة، أو مبنى مستأجر للشأن الثقافي والفني، متداعٍ غير مؤهل للاستخدام الآدمي، وسرعان ما تطرد منه، «لم يجد الطفل حاضنة الذكرى التي رأى فيها أول مرة مسرحية أو أغنية».

في المقابل للأماكن المفتوحة نرى تجربة ثرية نتمنى استنساخها في جميع مناطق الوطن، وهي مركز الملك عبدالعزيز الثقافي العالمي «إثراء» هذا الصرح الثقافي الراسخ عبر تخطيط ورؤية استراتيجية بعيدة المدى.

مكان يرسخ مفاهيم جديدة للتلاقي، والمعرفة، تتفتح فيه مخيلة الأطفال عبر برامج ممتدة، وتطبق في منصاته أفكار الشباب، وتصاغ في مختبراته إبداعات الموهوبين، هذا مركز تنويري في تكوينه المعماري، وفي محتواه العملي، متاحف تجدد عروضها، مسارح تستقطب العروض العالمية، مختبرات علمية، برامج تطويرية، معارض تتنوع إلى جانب مكتبة زاخرة بالمعرفة، ها هو يتحول إلى مقر جذب لمختلف الفئات الاجتماعية، لا ينتخب فئة دون أخرى، لا يتعالى ولا يستكين للمعتاد، يحوي بين أجنحته ورش الأفكار والإلهام كما يفتح أبوابه للقاءات المودة والتعارف.

الأمكنة المهيأة للفعل الثقافي والفني، سواء في محتواها الداخلي مثل «إثراء» أو المكان الخارجي الذي يشكل الفضاء العام علامة له، هما مصانع الحب، مراكز طاقة للسعادة والفرح، حيث تطمئن النفس وتتحفز المخيلة على الإبداع والتجاوز.

ها نحن نلمس ما يتحقق من رؤية 2030م، في مظاهر اقتصادية وتنموية، وفي ذات الوقت نجدها تضع في قلب ذاك كله «جودة الحياة» ما يعني أنه لن تكون نهضة دون وعي ركيزته الثقافة، ومن غير فنون ترقق القلوب وتحنو على الأفئدة أمام وحشة التغيير والتحول.

احمد الملا

شاعر من السعودية، أصدر عشر كتب شعرية منذ عام 1995م، حائز على جائزة محمد الثبيتي الكبرى 2015م . عمل في الإدارة الثقافية، في عدد من المؤسسات مثل نادي المنطقة الشرقية الأدبي وجمعية الثقافة والفنون بالدمام والأحساء، كما عمل في الصحافة . مؤسس ومدير مهرجان أفلام السعودية، ومهرجان بيت الشعر .

‫2 تعليقات

  1. هناك مدن جديده تتشكل مدن ثقافيه نعيش شوارعها وأبنيتها مدن قد وضع حجر الأساس لها افراد منهم من بقي ليشاهد هذا النمو ومنهم من رحل رحمهم الله

    1. أهلا بالعزيز الغالي
      نعم علينا أن نبني للقادمين، كما بنى لنا من سبقونا، التراكم في المكان ذاته يشيد ذاكرة تتأصل ولا تنقطع.
      سلام عليك

اترك رداً على أحمد الملا إلغاء الرد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق