برجاء الانتظار جاري تحويلكم ...

 
الصعود للعمق

قرود البابون بيننا

غريبة تلك المجتمعات الإلكترونية، التي تحتوينا في مجاميع التواصل، والتي قد نحبها لفترة، ونتعايش معها لوهلة، نتفق فيها ونختلف، ثم نخرج منها مقتنعين بأنها لا تناسب مقاساتنا العقلية، وقد نجبر على المكوث فيها بصمت رهيب نشعر فيه بقشريتنا، لحد السخافة.

مجتمعات معقدة كثيرة البلبلة، لا يمكن أن يفهم قصدك فيها الجميع، مهما حرصت، ومهما جاملت لدرجة الادعاء، ومهما كذبت ولبست غير ملابسك الحقيقية، فدومًا ستجد أصوات نشاز تحاول أن ترتقي على سلالم الكلمات.

البعض سيجاملك حد السخافة، والبعض سيقتنص الفرص ليستخف بما يقال، وعندما تناقشه تشعر بالحسرة السحيقة بتباعد مفهومه عن مفهومك.

البعض سينتهزها فرصة ليظهر، ويبرق، بعد أن ظل بلا ظل لوقت طويل، أو بعد أن تطاول ظلاله ليختفي هو من خلفه.

البعض سيتفلسف بعلم، والبعض سيقود الحوار إلى مناطق جرداء ملحية فوق كوكب صخري، لا حياة فيه.

البعض سيستعرض خفة دمه المخلوطة بالنشادر، والبعض سيتدفق الزئبق من شرايينه الزرقاء دون أن يشعر بالخجل.

عالم عجيب، يحتوي من العجب، عجب العجب، ولكن الصوت العاقل يظل دومًا موجودًا وإن كان فرديًا منزويًا، وكذلك الصوت المتفهم، والصوت، الذي يريد أن يشيع الصفاء في القلوب، وأن يتمكن بطيبة قلبه أن يساعد على شرح الغموض، وتقريب الآراء، وزرع الرقي بين سطور الحوار القابلة للتطنيش والمسح والتفجير.

البعض سيبتعد عن الميدان، المليء بالفرسان، والخونة، والخوذ، والفخاخ، والرماح، والدماء، والجماجم المُمثل بها، ليدخل عليك الزاوية الخاصة بك، ويفهم منك أكثر، ويحاول أن يبني بينك وبينه علاقة ود ومنطق وعقل وإخاء، ودون استغلال فرص الظهور، ودون تلويث الأيدي بحبر الجماجم.

وهذا يحدث في سائر المجاميع، ولكن وعندما يحدث في مجموعات ثقافية فالعجب يتضخم، أليس من المفترض أن يمتلك جميع من فيها أدنى درجات الذوق والعدالة، وأن يؤمن باختلاف الرأي، ويعلم أن حواره فيها جزءٌ من ثقافة وطن، به تنوع مفيد، وتمكن من زوايا المنطق، وحرص على عدم امتطاء الأحصنة المقلوبة، التي تجري متجهة للهاوية.

تلك المجاميع الثقافية من المفترض أنها منابر ترتقي بما ومن فيها، وتعطي الفرصة للفكرة الجميلة بأن تنضج وتكتمل، وللفكرة المعووجة أن تنعدل برقي المنطق، وجمالية الأنفس؟، ودون تقافز قرود البابون على شجر البلوط، بحثًا عن رمانة.

شاهر النهاري

طبيب أخصائي طب الأسرة والمجتمع، يعمل في مدينة الملك فهد الطبية بالرياض مديراً للمشروع الطبي، زاول كتابة مقالات الرأي بعدة صحف كجريدة الشرق الأوسط - لندن، صحيفة الوطن السعودية، الجزيرة، الشرق ،مكة الورقية.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق