برجاء الانتظار جاري تحويلكم ...

 
انطلاق

شغف البدايات

حين توفى الطبيب الهولندي هرمان يورهاف عام 1732 وجد ورثته مظروفًا كتب عليه «السر النهائي في الطب».

‏وبسبب سمعته الكبيرة وادعاء احتوائه وصفة لإطالة العمر، بيع بالمزاد العلني بمبلغ خيالي، وحين فتحه المالك الجديد وجد فيه هذه النصيحة «إن أردت العيش طويلا فاحفظ رأسك باردًا ورجليك دافئتين».

بعض النظر عن صحة هذه النصيحة من الناحية الطبية، فإن الطبيب لم يأتِ باختراع جديد لا تعرفه البشرية، لقد كتب نصيحة عادية يمكنك أن تأخذها من جدّتك الأمّية أو من شخص لم يدرس الطب قط.

لو كتب طبيب غير ذي سمعة مثل هذه الوصفة البسيطة، هل كان سينجو من التهكّم والسخرية؟ أو لنقل: هل كانت وصفته ستشتهر وتتناقلها الحكايات بالتواتر كما حدث مع «يورهاف»؟

المؤكد أن سمعة الشخص تسبقه وتغفر له مسبقًا أي سطحية أو عمل متواضع سيأتي به، حين يحمل المرء اسمًا غير معروف عليه أن يشقى كثيرًا ويعمل ضعف ما يعمله صاحب صنعته المشهور، كي يلتفت الناس إليه ويقدّروا مجهوده.

الذين صنعوا لهم اسمًا وصارت هوياتهم غنيّة عن التعريف ليسوا بحاجة إلى إثبات أحقيّتهم في الشهرة، لذلك يبدون أكثر استرخاءً في مقاعدهم الوثيرة.

يقول الكاتب الأمريكي مايكل لويس: لم يُدفع لي مقابل مادي عندما بدأت الكتابة، والآن يُدفع لي الكثير مقابل كتابة التفاهات.

لذلك أجد في صفحات «تويتر» الخاصّة بالكتّاب المغمورين ما لا أجده عند الكثير من أقرانهم المشاهير، أتصفّح حسابات أشخاص يكون عدد متابعيهم قليلًا، فأندهش من شغف الفكرة وصقل العبارة التي يبدو جليًا أن كاتبها يحاول بها الوصول إلى جمهورٍ أوسع.

هؤلاء الأشخاص هم مبدعون لم يصلوا بعد، لم يطفئ بريق القمة حماستهم ولم يسلبهم الوصول وقود الرحلة.

للوصول لذّة لكنها تذوب سريعًا، كما السكر على اللسان، ويعتادها المرء، فيركن إلى الإنتاج الاعتيادي والسطحي لأن ضمان المكانة لا يشعره بالتهديد.

لطالما كانت بدايات الأشخاص أجمل، وقتما كانوا يسيرون في صفٍ طويل يسبقهم ويلحقهم كثيرون فيحاولون جاهدين التميّز والظهور بينهم.

بشرى الأحمدي

عضو هيئة تدريس جامعة طيبة, متخصصة في طرق تدريس اللغة الإنجليزية, مؤسسة نادي القراءة "٢٣ أبريل" لفتيات المدينة, شاركت في العديد من الندوات في جامعة طيبة والنادي الأدبي, عضو نادي "رواق" الأدبي التابع لجمعية الثقافة والفنون, حاصلة على الرخصة الدولية للعمل التطوعي. كاتبة ومؤلفة صدر لها كتاب عن دار مركز الأدب العربي, نشرت عدة مقالات في عدد من الصحف.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق