برجاء الانتظار جاري تحويلكم ...

 
فضاءات

عندما يحضر الموت يتساوى البشر

من قدّر له أن يتردد لفترة منتظمة على أروقة المستشفيات، وأن يعايش عن قرب غرف العناية المركّزة، وأقسام الأورام والقلب وغيرها، وأن يمرّ جيئة وذهابًا من أمام المشرحة، سيدرك أن حقيقة الموت التي يحاول طوال عمره بأن يتعامل معها وكأنها وهم، وخيال بعيد، هو أقرب ما يكون إليها.

سيتمثّل الموت أمامه كحقيقة واقعة تقتصّ من البشر بشكل دوري ومستمر، سيشاهد المرضى في أسوأ حالاتهم البدنية، وسيشاهد أحبابهم ومرافقيهم في أسوأ حالاتهم النفسية والمعنوية، عندها فقط ستنكسر الكثير من الثوابت في داخله، وستتلاشى الكثير من الرؤى والأفكار التي حارب من أجلها، وستتضاءل فيه الكثير من الطموحات والدوافع التي لطالما دفعته نحو هذا الركض المحموم الذي يمارسه بشكل يومي نحو الحياة، سيدرك فجأة كم هو ضئيل وصغير وضعيف إلى درجة الشفقة على نفسه، سيدرك أن انتصاراته وهزائمه في الحياة لا معنى لها ولا منطق، وأن كل ما يقوم به هو سلسلة من الحروب الوهمية مع اللاشيء ونحو اللاشيء.

عندما يحضر ألم العجز والمرض والموت والخوف والفقد والفراق تتهاوى الحواجز البشرية الواهية، ويعلم الإنسان بشكل قاطع بأنه لا فرق بين البشر بالمطلق، وأن لا لون ولا دين ولا عرق ولا فقر ولا غنى يصنع اختلافًا حقيقيًا، وأن كل هذه الفروقات خيالنا هو من اخترعها وضخّمها لنعيش متعبين متفرقين تحت سطوتها.

ليتنا نتّعظ من الموت ومن الخوف ومن الألم لنعيش حياتنا بسلام مع أنفسنا ومع الآخر، سلام نحن بأمَسّ الحاجة إليه، لنسعد ولو نسبيًا بحياتنا القصيرة والعابرة على هذه الأرض.

تركي رويّع

تركي رويع الرويلي، مواليد منطقة الجوف ، بكالوريوس هندسة ميكانيكية في جامعة الملك فهد للبترول والمعادن، يعمل في الشركة السعودية للكهرباء مستشاراً للسلامة والصحة المهنية ، كاتب رأي سابق في صحيفة الشرق السعودية، وله العديد من الكتابات في المواقع الإلكترونية.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق