برجاء الانتظار جاري تحويلكم ...

 

الخصوصية عند الفئران

نتكلم أولًا عن علم سلوك الحيوان «الإيثولوجيا»، فعلماؤه يراقبون سلوك الحيوانات في بيئاتها الطبيعية لفهم غرائزها ومتابعة تطورها وتكيفها.

أول عالم إيثولوجيا في العصر الحديث هو الإنجليزي تشارلز داروين المتوفى من 137 سنة تقريبًا، مؤسس نظرية التطور، استفاد علماء النفس والاجتماع من نظريات الإيثولوجيا عن طريق عكسها على الإنسان لفهم الطبيعة الإنسانية.

من المقبول علميًا دراسة مفهوم الخصوصية وأصالته في الخلقة البشرية عن طريق دراسته عند الحيوان، من أهم التجارب في هذا الباب تجربة عالم الإيثولوجيا الأمريكي جون بي كالهون عام 1962، في البداية، وبعد استئذان الجيران، بنى «جون» مستعمرة للفئران في الغابة الكبيرة خلف منازلهم، وافق الجيران وربما ظن بعضهم – وفقا لجون – أنه سيخصص منطقة صغيرة من الغابة للفئران، ولكنه بنى مستعمرة مساحتها 930 مترًا مربعًا، وفر فيها بسخاء الأكل والشرب والمواد اللازمة لإنشاء الجحور، وكل ما يحلم به أي فأر.

أدخل على المدينة خمس «فارات» حوامل وراقب تكاثرها وسلوكها، تضاعف تعداد الفئران يومًا بعد يوم، تتحمل المستعمرة 5000 فأر ولكن للغرابة توقف التعداد عند 150 على مدى سنتين، أثارت هذه الملاحظة «جون» ودفعته لتطوير التجربة ونقلها للجامعة في غرف ليدرس أثر المساحة على سلوك الفئران.

في المعمل توفر للفئران الماء والغذاء وجميع المستلزمات عدا المساحة، في البداية كانت الفئران تتكاثر وتعيش حياتها بشكل طبيعي كما هو معروف عنها، بعد فترة ومع الازدحام بدأ معدل الولادات يقل، وظهرت أعراض أخرى غريبة أطلق عليها «جون» مسمى «الغرق السلوكي»، تزاحمت الفئران وأصبحت تتصرف بطريقة جنونية تشبه الانهيار في السلوك، الأمهات أصبحت غاضبة وعنيفة تطرد صغارها من الجحور وبعضها هاجمت صغارها، ظهرت مجموعات من الذكور بشكل عصابات تبطش بالإناث وبالصغار، تهاجم وتقتل وتمزق الجثث.

ظهرت سلوكيات جنسية منحرفة وأصبحت تهاجم بعضها، من هذا الباب، بشكل عشوائي لا يفرق أمامه ذكر أم أنثى، ظهر نوع من الفئران اعتزل ولا يرد على من يعتدي عليه أسماها جون «الفئران الجميلة» تأكل وتنام وتتحرك لتحافظ على حياتها بالحد الأدنى فقط دون أي مشاركة اجتماعية «اعتزلت الحياة».

ارتفع معدل وفيات المواليد وانهار مجتمع الفئران بشكل كامل متجهًا نحو الفناء، بدأ ينقص التعداد حتى وصل للأرقام الطبيعية ولكن للمفاجئة السلوك المشوه الانهياري لم يتعدل واستمر مع الفئران.

الازدحام أدى إلى انهيار سلوكي عند الفئران، ما الجانب من الازدحام الذي أثر وأفقدها صوابها على الرغم من توفر الموارد؟ هل غياب مساحة للخصوصية هو ما أفقدها صوابها؟ مع الزحمة أصبح كل شيء يعمله الفأر حتى أخص خصوصياته كاللقاءات الجنسية معلنًا يشهده الجميع، لنتخيل نفس التجربة لو طبقت على الإنسان هل سينهار سلوكيًا؟ ربما هناك مناطق في العالم مزدحمة كأنها مستعمرة فئران وسكانها مجانين سلوكيا، فكر معي.

سعاد العريفي

سعاد سليمان العريفي، أستاذ مساعد، قسم نظم المعلومات، كلية الحاسبات وتقنية المعلومات، جامعة الملك عبدالعزيز حصلت على درجة الدكتوراه في أمن المعلومات تخصص أمن الحوسبة السحابية من كلية رويل هولوي، جامعة لندن في بريطانيا، سبق لها الكتابة في عدد من الصحف السعودية.

‫8 تعليقات

  1. مقالة جميلة جدا و بها عمق كبير، شكرا لك دكتورة على هذا الطرح السلسل الجميل

    1. شكرا لك على التعليق المحفز. القادم اجمل في هذه السلسلة لموضوع الخصوصية الغامض

    1. شكرا على التعليق ان شاء الله نواصل الكتابة في نفس الموضوع

  2. طرح جميل ومعنى عميق،
    في اعتقادي البشر سوف يتبعون نفس السلوك إذا لم يكن هنالك رادع ديني أو اخلاقي. ولكن بأسلوب اكثر عنفاً وتطرفا.

    1. الفئران في التجربة منقطعة عن باقي فئران العالم لذلك حين تشوهت فطرتهم لم ترجع ابدا بينما البشر يتواصلون مع بعض ويذكرون بعض ويصححون مسار بعض. وهذا الشيء مطمن.

    1. شكرا على التعليق. قد يكون غياب الخصوصية السبب في الكثير من الانحرافات عند البشر.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق