بعض الاقاويل

هذا أنا

استمع تحميل الصوت | شاهد تحميل تحميل العدد القابل للطباعة

عند تأملك بعض الإنتاج الثقافي المحلي وبعض مقدمي البرامج الحوارية والمشاهير المحليين، تجدك تصل إلى نتيجة واحدة: هؤلاء «لم يكونوا في سابق الوقت ما هم عليه» لذا تجدهم ينالون من ماضيهم عبر استدعاء ضيوف ومحاور وموضوعات تنتهي إلى حالة من الانقلاب على المبادئ، والنقمة على المراحل، محاولين التعويض عما مضى.

إنه «الاكتشاف المتأخر للذات»، تلك المعضلة التي يعاني منها كثيرٌ ممن يتصدر أو يمارس الثقافة والفكر في مشهدنا المحلي، هناك أسباب جوهرية أدت لنشوء هذه الظاهرة، وهي متداخلة ومعقدة في تكويننا الاجتماعي والثقافي لحد صعوبة تفكيكها، ذلك أن كل الفعاليات المجتمعية والفكرية أصيبت بهذا الداء.

من تلك الأسباب، الخطاب المثالي المتعالي متعدد المصادر، الذي وعلى حساب الواقعية خلق حالة شمولية جعلت الأفراد يقفزون، متجاوزين أنفسهم إلى مساحة من الأفكار والأنشطة والفعاليات، تخلق نموذجًا جمعيًا لا اعتبار فيه للفرد، وما يعتمل في فكره وتصوراته وتساؤلاته.

لقد أدى ذلك إلى تفاقم ظاهرة «التمثيل» وأقصد بها النيابة عن المجتمع ومنتجاته، هذه النيابة ظاهرة لم يتطرق لمعالجتها مختصون في واقعنا المحلي، ذلك أنها تمثل حالة فكرية وثقافية تستحق الدراسة.

على كل حال، ومع الوقت ضعف صمود هذا التمثيل أمام نداء العمق الإنساني ليتحول إلى تمثيل من نوع آخر بمعنى النفاق الاجتماعي، ومن العوامل الغشاوة على مفهوم «الحرية»، فقسوة التربية في الميدان الاجتماعي، والصراع على فكرة الحرية في الميدان الثقافي جعل هذا المفهوم متقهقرًا في الوعي العام، لذا كان الاستبداد بمختلف مشاربه سيد الموقف.

إن من نتائج ذلك، حالة الرفض غير المعلنة لمن هو منسجم مع ذاته، وقال «هذا أنا» بشفافية ومباشرة، ووصمهم من قبل المتحولين الناقمين بسمات سلبية لا تليق. وسيؤدي ذلك – لو استفحل – إلى الفشل في استلال المعاني من النماذج وتجاربها وتقديم النماذج كتلة واحدة يعود معها إنتاج المشكلة.

عندما سأل رجل الرسول -عليه الصلاة والسلام- عن الإسلام وأعلن اكتفاءه بالأركان الخمسة، كان يقول «هذا أنا»، وقد بارك الرسول انسجامه مع نفسه بقوله «أفلح إن صدق».

طارق العرادي

طــارق علي العرادي البلوي، استشاري باطنية, يدير حالياً مستشفى الملك فهد التخصصي بتبوك، عضو عدد من الهيئات الصحية والطبية وكذلك جمعيات طبية خيرية ، كاتب رأي في صحيفة الشرق ، والعديد من المواقع الالكترونية .

اترك ردًا

زر الذهاب إلى الأعلى