برجاء الانتظار جاري تحويلكم ...

 
حنين

الخصوصية والحرية في سجن «بنثام»

في القرن الثامن عشر زار الفيلسوف الإنجليزي الشهير جيرمي بنثام أخاه في روسيا البيضاء، لاحظ «بنثام» أن أخاه يضع مكتبه في قلب العمل، بحيث يستطيع مراقبة كل العمال في نفس الوقت دون الحاجة للخروج من المكتب.

أعجبت الفكرة «بنثام» وقرر ابتكار تصميم مشابه سماه «بانوبتيكون» بغرض مراقبة المساجين، مركز السجن برج مرتفع للمراقبة بنوافذ زجاجية «أراك ولا تراني» محاط بالزنزانات، كل زنزانة فيها شباك زجاجي يكشفها بالكامل بحيث يستطيع البرج مراقبتها.

الفكرة من ذلك أن يشعر المساجين بأنهم مراقبون باستمرار، وبالتالي يحسنون التصرف، فكرة «بنثام» كانت الأساس في تصاميم بعض السجون حول العالم وأقربهم السجن الكوبي سيء السمعة بريزديو مويدلو.

هل في مراقبة المساجين بهذا الشكل إساءة إنسانية وانتهاك؟ الفكرة هي في السيطرة على عقولهم عن طريق إشعارهم بالمراقبة المستمرة.

انتهاك خصوصيتهم بهذا الشكل تؤثر على جانبين:

الأول: انتهاك الخصوصية الذي يؤثر على حرية الإنسان، الإنسان المراقب لا يستطيع التصرف بعفوية، دائما يوزن تصرفاته عن طريق عين الرقيب، لو جلست معك على طاولة الغداء وأبلغتك بأني سأراقب طريقة أكلك، هل ستأكل بعفوية كما تفعل كل يوم؟ لا، ستعدل طريقتك بقصد أو غير قصد بناءً على عين المراقب، خسارتك لعفويتك في الأكل هي خسارة لجزء من حريتك.

الأكل موضوع بسيط، ولكن لو راقبت آراءك، تعبيراتك، علاقاتك… إلخ، ستخسر حريتك تمامًا حتى لو كانت مراقبتي لمجرد المراقبة دون تدخل، لذلك الخصوصية متعلقة بالحرية، ولكن المساجين أصلًا خسروا حريتهم كنوع من العقاب، خسروا حرية التنقل واختيار الأكل واللبس، وبالمراقبة أيضًا خسروا الحرية المتعلقة بالعفوية.

الثاني: انتهاك الخصوصية يؤثر على كرامة الإنسان، الإنسان المراقب من قبل شخص آخر لكي يقومه، تتأثر كرامته سلبًا بلا شك، عاقل بالغ يُعامل كأنه مختل أو طفل وفي ذلك إهانة، ولكن المسجون هو من وضع نفسه في هذا الموقف، لأنه من البداية «حين ارتكب جريمته التي سُجن بسببها» تصرف كالمختل وسرق أو قتل أو ضرب دون حس بالمسؤولية أو بنفسٍ يملؤها الشر، لذلك «ربما» استحق أن تتضرر كرامته بهذه المراقبة.

إلى أي مدى يحق للمجتمع قبول انتهاك حرية المسجون وكرامته؟ هذا الانتهاك هو نوع من العقاب وينبغي تقديره حسب الجرم، فالسرقة لا تساوي القتل لا تساوي القذف.

نتكلم عن المساجين، ولكن ماذا عن المراقبة المستمرة للإنسان العادي من قبل الشركات أو الحكومات؟ عندها سيخسر هو أيضًا حريته عن طريق خسارة عفويته وستتضرر كرامته، كل هذه الخسائر دون أن يكون عمل جريمة أو خرق القانون؟

المجتمع المنتهكة خصوصيته عن طريق المراقبة الإلكترونية، كأنه يخضع لعقوبة جماعية دون حكم قضائي أو ذنب، لذلك تحارب المجتمعات المتحضرة من أجل الخصوصية.

سعاد العريفي

سعاد سليمان العريفي، أستاذ مساعد، قسم نظم المعلومات، كلية الحاسبات وتقنية المعلومات، جامعة الملك عبدالعزيز حصلت على درجة الدكتوراه في أمن المعلومات تخصص أمن الحوسبة السحابية من كلية رويل هولوي، جامعة لندن في بريطانيا، سبق لها الكتابة في عدد من الصحف السعودية.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق