برجاء الانتظار جاري تحويلكم ...

 
بصمة

من التاريخ.. السلاجقة وبلاد الأرمن

تحدثت في المقالتين السابقتين عن غزوة بدر ومعركة بلاط الشهداء، وفي هذه المقالة سأتحدث عن معركة بطولية انتصر فيها المسلمون انتصارًا ساحقًا على بيزنطة، وتغيرت فيها موازين القوى في تلك الفترة، حيث تمكن للسلاجقة بالتغلغل في الأناضول، وتغيرت التركيبة السكانية لتلك المناطق، حيث دخل أهلها في الإسلام.

كذلك منحت الفرصة للسلاجقة بالتوغل في آسيا الصغرى وأسسوا فرعًا لدولتهم عٌرفوا فيما بعد بسلاجقة الروم، كذلك كسرت هيبة بيزنطة أمام العالم، كما بدأت فكرة الغزو الصليبي للبلاد الإسلامية بعد هذه الهزيمة.

هذه المعركة هي معركة ملاذكرد أو مانزكرت، وكان بطلها السلطان السلجوقي «ألب أرسلان» الذي حكم عام «455هـ /1063م» خلفًا لعمه أرطغرل بك، وعندما بدأ السلاجقة بالتوسع في أراضي بيزنطة من جهة الغرب لفتح بلاد الأرمن وجورجيا، أزعج ذلك الإمبراطور البيزنطي رومانوس ديوجينس، وشعر بالخطر الذي يهدده، فجمع جيشًا كبيرًا قيل إنه قرابة المائتي ألف مقاتل، واتجه بهم إلى السلاجقة بعد أن هاجم «منبج» واحتلها.

أدرك ألب أرسلان الحرج أمام هذه القوة الضاربة، فجمع جيشًا قوامه عشرون ألف مقاتل، وعندما أدرك السلطان خطورة الموقف أرسل رسلًا إلى الإمبراطور يعرض عليه الصلح، إلا أن الإمبراطور استهزأ بالرسل وقال لهم: لن يتم الصلح إلا في عاصمة السلاجقة «مدينة الري».

ونصح مستشارو السلطان ورجال الدين المرافقون معه وفقيهه أبو النصر محمد بن عبدالملك البخاري، بأن تكون المعركة يوم الجمعة لترتفع أكف المسلمين بالدعاء لهم، ودعاء خطباء المساجد على المنابر في تلك اللحظة.

وفي يوم الجمعة آخر ذي القعدة من سنة «463هـ / أغسطس 1071م» صلى بهم الإمام أبو نصر البخاري ودعا لهم، فلبس السلطان البياض وتحنط وقال: إن قتلت فهذا كفني.

وضع السلطان خطة محكمة للمعركة وبدأت المعركة واشتد الوطيس، فصاح السلطان في جنوده، من أراد الانصراف فيلنصرف فليس هنا سلطان يأمر وينهى، وزاد من حماس جنوده وهجموا على الروم كالأسود الضارية تفتك بما أمامها فأكثروا القتل فيهم وتشتت جيش الروم، مما جعل إمبراطور الروم يطلب الهدنة من السلطان، إلا أنه رفضها، وتم أسر الإمبراطور رومانوس، وهو أول إمبراطور بيزنطي يتم أسره من قبل المسلمين.

وقال السلطان للإمبراطور: ماذا تظن أني فاعل بك، فقال له: إما تقتلني أو تشهر بي في بلادكم، أو تعفو عني وهذه بعيدة جدًا، فرد عليه السلطان: ما عزمت إلا على العفو عنك، فأطلق سراحه بفدية كبيرة يدفعها، وأن يتم إطلاق سراح كل الأسرى المسلمين الذين بأرض الروم.

مثل هذه المعارك التي ظهرت فيها سماحة السلطان في إطلاق سراح الإمبراطور، إنما تدل على الهدف الذي كان يسعى له المسلمون في نشر الإسلام بكل معانيه السمحة وفضائله.

محمد الشويعر

محمد بن عبد الله الشويعر, دكتوراه في التاريخ الإسلامي من جامعة الملك سعود، عمل مستشاراً لعدد من المؤسسات منها الحوار الاجتماعي في وزارة العمل والتنمية الاجتماعية، الحوار الوطني، إدارة الدراسات والبحوث التنفيذي بصندوق الموارد البشرية، كما ادار الدراسات والبحوث والنشر بمركز الملك عبدالعزيز للحوار الوطني ، شارك في العديد من اللجان العلمية والتنظيمية، كاتب رأي لعدد من الصحف السعودية والعربية وله عدد من الدراسات والبحوث المنشورة في عدد من المجالات التاريخية والفكرية.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق