برجاء الانتظار جاري تحويلكم ...

 
انطلاق

دعني جاهلًا

نحن كائنات قلقة بالفطرة، نترقب القادم من الأشياء، مثل خُلد يستعدّ لدخول جحره عند أدنى لائحة خطر.

قلقنا مطاطي يتسّع لدخول المزيد من المسببّات ويستمر في الانتفاخ حتى يخنقنا، البعض يكون محظوظًا فيحمل قلقه مثل بالون صغير لا يزداد حجمًا بمرور السنين، لأن عدد الأمور المسببة له هي ذاتها الأساسية كالقلق من اختبار أو موعد مهم.

أما بقيتنا فنسمح لكل عابر أن يغذي هذا الإحساس المؤذي فينا، حتى نصل إلى فكرة أن حجرًا ضخمًا سيسقط من السماء ويختار رؤوسنا مهبطًا له ونحن نسير.

قرأت تعليقًا لقارئة عن رواية «خرائط التيه» للكاتبة الكويتية بثينة العيسى تقول فيه «لقد ضاعفت هذه الرواية من قلقي على أطفالي». كل شيء يساهم في تغذية هذا الوحش داخلنا، المسلسلات والأفلام والكتب وحتى مجالس النساء التي تختار أبشع القصص عن جرائم الخادمات والأمراض المزمنة والوفيات المفاجئة لتسردها بتلذّذ غريب على مسامع الحاضرات، تدخل إحداهنّ إلى تلك التجمعات خفيفة من القلق وتخرج وهي تنوء بأرطالٍ منه.

هل كنّا قبل وسائل التواصل الاجتماعي أقل قلقًا؟ هل ساهمت الشبكات الاجتماعية في أن يصلنا خبر دهس طفل في الهند، واغتصاب مراهقة في مصر، وانفجار مفاعل نووي في إيران، وتنبؤات عن حرب قادمة في سوريا بشكلٍ أسهل؟

لا أعرف حقًا، لكن ما أعرفه على وجه اليقين أن كلّ من يضخ فيك أنواعًا جديدة من القلق، هو في الحقيقة لا يحميك بل يميتك خوفًا منه، قد تعيش ستين عامًا دون أن تنفجر أنبوبة الغاز في وجهك، لكنك حتمًا ستتصور الحدث آلاف المرات في رأسك وتعيشه كما لو كان حقيقة، نتيجة التحذير المبالغ فيه.

قد تكون المخاطر كالقطط المتربصّة فينا في الظلام، لكن ما دمنا نجهل أنها حولنا فسننام قريري العين دون أن تهاجمنا.

لذلك ندعو «يا الله، إما أن تمنحني نعمة الجهل أو أن تمنحني القوة لأتحمل المعرفة».

بشرى الأحمدي

عضو هيئة تدريس جامعة طيبة, متخصصة في طرق تدريس اللغة الإنجليزية, مؤسسة نادي القراءة "٢٣ أبريل" لفتيات المدينة, شاركت في العديد من الندوات في جامعة طيبة والنادي الأدبي, عضو نادي "رواق" الأدبي التابع لجمعية الثقافة والفنون, حاصلة على الرخصة الدولية للعمل التطوعي. كاتبة ومؤلفة صدر لها كتاب عن دار مركز الأدب العربي, نشرت عدة مقالات في عدد من الصحف.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق