برجاء الانتظار جاري تحويلكم ...

 
نكز

«الثمانينيات» المفترى عليها

الماء العكر نهزة الصياد الفاشل، وأوفر الصيادين فشلًا الذي يعكر صفو الماء ليصطاد فيه.
وفي مشهدنا الثقافي اليوم سجال محتدم، وموج يضرب كل الضفاف، هو في نهاية الأمر دليل حياة، وماء يجابه باضطرابه الركود كي لا تأسن فيه العذوبة، إلا أن صيادي الغفلة والمولعين بخمج الماء يفتشون على حواف العذوبة عن نزر من كدر يمدون فيه الشباك.

وخذوا مثلا: بعض الذين قعدت بهم مواهبهم وإمكاناتهم وطاقاتهم، في الثمانينيات الميلادية وما بعدها، أن ينجزوا في حقول الثقافة والإبداع شيئا ذا بال، وتفرقت بهم حينها السبل، حتى إذا احتدم السجال في أيامنا هذه حول الثمانينيات وأحداثها وأحاديثها، واندلقت المراجعات والاعتذارات؛ تواثب أولئك الموهومون يستثمرون لغط المرحلة في اتهام وإدانة الثمانينيات، واستنسخت الأقلام والألسنة على نحو ساذج تهمًا من نوع «سرقوا عمري»، «عطلوا إبداعي»، وشكاوى «كيوووت» على سبيل التصابي نحو «من يعتذر لي»، وهلم عذرا.

ومع تسليمنا أن صراع التيارات في ثمانينيات القرن المنصرم محليًا بلغ من العنف حدًا ألقى بظلال بالغة الثقل على مشهد الثقافة والإبداع آنذاك، وأسهم في تحجيم بعض الأصوات المبدعة، إلا أن الواقع يكشف أن ذكرى صراعات وسجالات تلك المرحلة تتحول بمرور الوقت إلى ما يشبه شماعة ضخمة يعلق عليها كل ذي خيبة خيبته، وإلا فكل صخب الثمانينيات لم يحجب على سبيل المثال تجربة شعرية متجاوزة كتجربة «محمد الثبيتي» الذي حفر تضاريسه الشعرية الرائعة في صخر المرحلة، التي بلغت حد هدر دمه واستهدافه في شخصه، وبقي علامة فارقة في الشعر العربي كله.

وفي المرحلة ذاتها نضجت واحدة من أجمل وأجود تجارب القصة القصيرة في السعودية، وكتبت القصة حقًا كما لم تكتب قبل ذلك ولا بعده محليا، على أيدي أبناء الجيل الذهبي: عبدالله باخشوين، محمد علوان، حسين علي حسين، سباعي عثمان، عبدالله السالمي، أميمة الخميس، وغيرهم.

ونال نقاد الحداثة في الثمانينيات نصيبًا موفورًا من سطوة الصراع وبطشه، لكن حفظ لنا التاريخ أن كل القسوة لم تهزم قامة مثل عبدالله الغذامي، وبقي منجزًا بسخاء وتمكن في حقول الفكر والنقد والثقافة، وتزينت واجهة الثمانينيات التشكيلية بإبداعات عبدالحليم رضوي، وصفية بن زقر، وأحمد فلمبان، وسواهم.

وفي الثمانينيات دوزن محمد عبده وطلال مداح وعبادي الجوهر وعلي عبدالكريم ومحمد عمر وأسماء أخرى؛ أجمل اﻷغنيات وأكثرها رسوخا في الذاكرة.

ولم تخل الثمانينيات من حراك مسرحي متنوع راوح بين التقليدي والتجريبي ومسرحية «من تحت الكراسي» أحد أجمل شواهده.

وفي الثمانينيات لم يكن ثمة إنترنت ولا إعلامًا لحظيًا، لكن صحيفة أو مجلة مما صدر آنذاك كانت تكفي لتكون وجبة إعلام وثقافة وإبداع مختلفة.

وفي الثمانينيات بزغت ألمع وأجود الأسماء من المذيعين في الإذاعة والتلفزيون، ممن أخفق من جاءوا بعدهم أن يكونوا مثلهم في تمكنهم الإعلامي، وبراعتهم اللغوية، ومواهبهم الحقة.

كل أولئك لم تخنق الثمانينات أصواتهم، ومنهم من بدأ قبلها وبلغ فيها غاية الوهج واستمر بعدها، رغم وفرة المحاذير، وضراوة الصراعات، وشح الإمكانات. وعليه فالثمانينيات – رغم كل شيء – كانت عقدًا من التميز والإبداع، والذين يحصرونها في مفردات «صحوة»، و«اختطاف»، و«سرقة»، وبقية الأعذار «المودرن» إنما يواسون كسلهم، ويعتذرون لإحباطهم، وخيباتهم الثقيلة.

محمد الراشدي

قاص وناقد صدر له عدد من المطبوعات منها "احتضاري"، مجموعة قصصية , " شهد على حد موس"، مقاربات في الثقافة والأدب , "أيقونة الرمل" مقاربات نقدية في تجربة الشاعر محمد الثبيتي , "نكز"، نصوص ساخرة , "العقرب"، مجموعة قصصية. حائز على عدد من الجوائز منها جائزة أبها الثقافية في القصة القصيرة عام 1435 , جائزة سوق عكاظ الدولية للسرد العربي، في القصة ،1438, جائزة أدبي حائل للقصة القصيرة، 1439, كتب في عدد من الصحف الورقية .

تعليق واحد

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق