برجاء الانتظار جاري تحويلكم ...

 
الصعود للعمق

اغتراب

شعور طفل ظل ينبض ويتضخم مع مرور السنوات في جوف ذلك القلب النابض، الذي كانت تنهال على مخيلته الصغيرة الأسئلة، عكس عقول أقرانه، أسئلة لا تقنعها الأجوبة الجامدة المعلبة، وردود الببغاوات بمسلمات صلبة.

أسئلة يشعر بها تنكر بعض جسده، وتستغرب من غرائزه، التي يجبر على نكرانها، وكتم أصواتها، في الظلمة، حتى لا تراها الأعين.

كان لا بد له أن يتعلم الكذب، ويتوقف عن طرح الأسئلة، التي لم يكن يجني من طرحها إلا الزجر، والتوبيخ، والضرب، والتهديد بعقاب بعدي لو عاد لتمريرها على لسانه.

لقد عاش اغترابًا فكريًا زمانيًا مكانيًا وسط غابات أسئلة من معاني حياته، وكنه علاقاته بالآخرين، والأشياء، والأرض، والسماء، وهو لا يجد الأجوبة الشافية، المهدئة لحرقة أسئلته، مما عيشه وسط حيرة فكرية، تدور به في دوامات النهار، وتنتهي بأن تشفطه في حلزون مجاري الليل، ليتشرذم بمنام يطويه بالحسرة، والتطلع، والحرقة، التي تلهب أوصاله، قبل أن يفقد ذاته الهائمة وسط طغيان المنام.

لقد حاول أن يمرر أسئلته إلى كل من حوله، وعجز أن يجد ما يريح نفسه الثائرة على النمطية، وعلى كل ما يشعره بأخلاقية ومنطقية وحياة الإجابات المعلبة، التي يأتي بعضها من عقول مغتربة ملت مثله التساؤل، وعرفت لها طرقًا أقل أذية للنفس، بالهروب عبر سراديب الظلام العفنة، إلى دنيا التمرد والمبهجات قليلة الأدب، وهو يحاول تحاشيها، ويتمنى أن يلاقي له طريقًا تنير فيه الحقيقة، وتزهر الثقة ويثمر الحوار القابل للإبحار، مهما كان الفهم مُكلفًا يحتاج مساحات أوسع من الحرية، والتي يهابها الجميع، لكي لا يدفعون ثمنها، الذي يستدعي ترك صلابة الموروث، وجمود المسلمات، فهم أجبن من أن يفعلوا ذلك، مرتعبون، يجنحون للكذب والنفاق والترديد.

اغتراب بأن يجد العقل نفسه مختلفًا عن جميع من حوله، وحتى ولو وجد من يفهمه، فإنه يظل حذرًا من الدخول معه إلى مناطق ضيقة، قد يصعب العودة منها، فيبقى سجينًا بقضبان الماضي، وأصفاد فكر غيره، ولواعج كره نفسه، ليبلغ حقيقة حقده على الوجود والموجودين، ممن يضطر لمداهنتهم، وتتبع خطواتهم، عن غير اقتناع.

اغتراب أن يعيش بجسد واحد ينكر خلاياه، وبأنفس عديدة يختلف جوهرها عن مظهرها، والناس يظنون أنهم يعرفونه، وهم يجهلون ما يكون تحت جلده، وسط اغترابه، الذي لا يشعرون به، لأنهم منافقون، لبسوا الكذب منذ صغرهم، حتى أصبح صمته وموت سؤاله في نظرهم أمرًا طبيعيًا، جميلًا، يصفقون له.

شاهر النهاري

طبيب أخصائي طب الأسرة والمجتمع، يعمل في مدينة الملك فهد الطبية بالرياض مديراً للمشروع الطبي، زاول كتابة مقالات الرأي بعدة صحف كجريدة الشرق الأوسط - لندن، صحيفة الوطن السعودية، الجزيرة، الشرق ،مكة الورقية.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق