بعض الاقاويل

المسجد يعكس أزمتنا

استمع تحميل الصوت | شاهد تحميل تحميل العدد القابل للطباعة

في المسيحية تذهب الكنيسة بعيدًا فهي متطاولة متعالية في أطراف المدينة أو على مرتفعاتها، بينما في الإسلام فإن المسجد وسط السوق وبين أبنية الناس، وهو في تاريخه مؤسسة أكثر من كونه مكانًا للعبادة، ففيه التعليم والفصل بين الخصومات أيضًا.

هذا الفرق بين المسجد والكنيسة يمكن أن يختصر كثيرًا من معاني الإسلام في الحياة، في واقعنا المعاصر تغير دور المسجد مع خروج التعليم والقضاء إلى الحالة النظامية الحديثة، لكن ظل «الفكر المسجدي» على مستوى المفاهيم قائمًا ومنسجمًا مع تنوع المشكلات.

يقول علي عزت بيقوتش، رحمه الله «لا يمكن أن يكون الفرد مسلمًا دون الحد الأدنى من الحضارة»، وقصد بذلك الربط بين أركان الإسلام والفعل الحضاري، فمثلًا الصلاة تقتضي النظافة والعلم بالمواقيت, والزكاة تقتضي علمًا بالحساب وهكذا، هذا الإشعاع الحضاري هو قصة الإسلام وتأثيره في حركة التاريخ.

في واقعنا المحلي تبلغ الأزمة مبلغًا يضر بالسلم الاجتماعي في مخالفة صريحة لواحد من أهم أهداف وآثار الصلاة وهو «ضبط الإيقاع الاجتماعي» وفق قانون الطمأنينة، فعلى الرغم من قيمة الصلاة في الإسلام إلا أنه ينحاز للهدوء والرفق والوقار حال التأخر عنها «امشوا وعليكم السكينة والوقار، فما أدركتم فصلوا وما فاتكم فأتموا».

لنتأمل أزمتنا وفق المفاهيم أعلاه، فقد أصبحنا وكأننا نتصارع على المسجد أو فيه، فهذه اللغة المبتذلة كل عام مع قدوم شهر رمضان والنقاش حول أصوات المكبرات، وذلك الارتباك المخل بقضاء بعض الاحتياجات عند النداء للصلاة وكأننا في حالة استنفار ومشهد يخالف التوجيه النبوي بالسكينة والهدوء.

وما قابل ذلك ممن يطلب فتح المحلات أثناء الصلاة وما فيه من تلفيق وإثارة ومبالغات، مواقف السيارات حول المسجد، وكل أحد يضيق على الآخر، فوضى شرب المياه داخل المسجد، كل ذلك وغيره جراح غائرة في ثقافة المسجد ولا طب لها فيما يبدو ويظهر من أداء مؤسسي أو تصحيح للمفاهيم تقوده نخبة واعية.

مسجد الضرار فكرة أكبر من كونها مكانًا آخر للصلاة، وعندما يصبح الضرار محمولًا في النفوس والعقول، فمتى نقيم الصلاة؟.

طارق العرادي

طــارق علي العرادي البلوي، استشاري باطنية, يدير حالياً مستشفى الملك فهد التخصصي بتبوك، عضو عدد من الهيئات الصحية والطبية وكذلك جمعيات طبية خيرية ، كاتب رأي في صحيفة الشرق ، والعديد من المواقع الالكترونية .

اترك ردًا

زر الذهاب إلى الأعلى